آخر إبداعات السلطة: التلاعب بحجم الخسائر

بقدرة قادر، انتقل النقاش حول خطّة الإصلاح من أروقة الحكومة ووزارة المال إلى لجنة تقصّي الحقائق المنبثقة عن لجنة المال والموازنة في مجلس النوّاب. مع العلم، أن لجنة المال والموازنة هي لجنة برلمانيّة يُفترض بها أن تمارس دوراً رقابياً حين يتعلّق الأمر بالخطط الحكوميّة، أو دوراً تشريعيّاً حين يتعلّق الأمر بمشاريع القوانين كمشروع قانون الموازنة مثلاً، بينما لا يقع ضمن صلاحيّاتها تولّي مهام تنفيذيّة بحت مثل «توحيد المقاربات والمعالجات وترجمته في التفاوض مع صندوق النقد الدولي»، بحسب ما توافق الرؤساء الثلاثة على مهامّ اللجنة.

لكن، في الواقع، لم يكن الالتفاف على الخطّة الحكوميّة ومقارباتها، من خلال إحالتها إلى معمعة اللجنة البرلمانيّة، خطوة عبثيّة.

فالخطّة التي ساهمت شركة لازارد في صياغتها، لم تعجب جمعيّة المصارف ومصرف لبنان، بالنظر إلى صراحتها في تحديد حجم الفجوة في ميزانيّات الطرفَيْن، وتوجّهها نحو معالجات مزعجة لهما من قبيل تحميل جزء من الخسائر لرساميلهما. مع العلم أن الخطّة انطوت على عيوب كثيرة كعدم تحديد معالجات اقتصاديّة بالتوازي مع المعالجات الماليّة، لكنّ ليس هذا ما أزعج المصارف ومصرف لبنان بالتحديد.

عمليّاً، أسقطت اللجنة في جلساتها تدريجيّاً كل بنود الخطّة التي تضمّنت التشخيص الصريح لواقع القطاع المالي، كما أسقطت كل المقترحات التي حاولت تحميل هذا القطاع جزءاً معقولاً من خسائر الانهيار.

وقد فعلت ذلك من خلال ثلاث خطوات على الأقلّ:

أوّلاً، سندات الخزينة
نصّت خطّة الحكومة على التفاوض مع المصارف التجاريّة بهدف اقتصاص ما نسبته 40% من الديون الحكوميّة بالليرة اللبنانيّة. يمثّل التفاوض على حسم جزء من الدين، وإعادة جدولة الجزء المتبقّي، إجراءً طبيعياً ومتوقّعاً من قِبل مَدين متعثّر كالدولة اللبنانيّة، وهذه مسألة بديهيّة في أسواق المال. لكنّ اللجنة قرّرت في آخر جلساتها، وبحسب تصريح رئيسها النائب ابراهيم كنعان، التوجّه إلى عدم إخضاع سندات الخزينة بالعملة المحليّة للاقتطاع.

ثانياً، رساميل المصارف
تقضي خطّة الحكومة بشطب رساميل المصارف، لتحميلها جزءاً من خسائر الأزمة، في مقابل دخول مساهمين جدد من أصحاب الودائع الكبيرة. ويمثّل هذا البند إجراءً منطقيّاً في مؤسسات ماليّة تعثّرت بفعل القرارات الاستثماريّة الخاطئة التي اتّخذها أصحابها. لكنّ لجنة تقصّي الحقائق ابتعدت في نقاشاتها عن هذا النوع من الطروحات، من خلال التأكيد على المعالجة التدريجيّة للخسائر، فيما ركّزت النقاشات على طرح جمعيّة المصارف المتعلّق بالصندوق السيادي والطرف الذي سيتولّى إدارته.

ثالثاً، قروض القطاع الخاص
دخلت نقاشات اللجنة على خط تحديد حجم الخسائر، فتخلّت عن تقدير خطّة الحكومة لحجم الخسائر الناتجة عن تعثّر قروض القطاع الخاص، والذي جرى تحديده عند مستوى 40 ألف مليار ليرة، لتعتمد في المقابل على أرقام لجنة الرقابة على المصارف التي حدّدت هذه الخسائر عند مستوى 14 ألف مليار ليرة، أي بتخفيض 26 ألف مليار من حجم هذه الخسائر. علماً أن آخر اجتماعات اللجنة أظهر أنّها تخوض في كلّ التفاصيل، في محاولة لتجميل الأرقام وتقليص حجم الخسائر المعروضة في الخطّة.


في مقابلة رئيس اللجنة ابراهيم كنعان الأخيرة ضمن برنامج «صار الوقت»، كان لافتاً تصريحه التالي: إعادة تقييم الخسائر في الخطة الحكومية مطلوب، وخفضها من 240 ألف مليار إلى حوالي 80 ألف مليار أمرٌ ممكن.

يذكّر هذا التصريح لكنعان بمؤتمراته الصحفيّة الشهيرة التي كان يستعرض خلالها بفخر «الوفر» الذي تحقّقه اجتماعات لجنته من خلال عَصر أرقام نفقات الموازنة، وهو ما كان يُنتج دائماً موازنات غير واقعيّة بأرقام بعيدة كلّ البعد عن الواقع. واليوم، تكمن الخشية تحديداً من اعتماد هذا النوع من المقاربات في ملف الخسائر والمعالجات المطروحة، أي اللجوء إلى تشخيص بعيد عن تحديد مكامن الفجوات الماليّة الكبرى وحجمها، وهو ما سيعني الابتعاد حُكماً عن معالجة الأزمة في المرحلة اللاحقة.

الخسائر ليست وجهة نظر حتّى يجري التفاوض عليها وتجميلها في اجتماعات من هذا النوع، بل هي فجوات موجودة فعلاً ينبغي تحديدها بواقعيّة للتعامل معها.

أمّا عدم تحديدها ومعالجتها بشكل علميّ، فلن يعني إلا الاستمرار في سياسة القفز في المجهول كما يجري الآن.

من يدير دفّة الأزمة اليوم؟

حاكم المصرف المركزيرئيس الجمهوريّةوزراء تصريف الأعمالسلفة الكهرباء بتوقيع وإخراج استثنائيين في قصر بعبداالمسوّدة النهائيّة لقانون الكابيتال كونترولإضراب الصيادلة

من المجتمع المنتفض إلى المجتمع المهزوم

حقبة الانهيار المالي الصريح معالم البؤس في جميع نواحي الحياة قرار مجلس شورى الدولة قرار فارغ الاحتياطات ولحظة الاصطدام ثمن سياسات ممنهجة عديدة تقرير البنك الدولي بنك عودة