الجمهوريّة الزومبي

قبل نحو عام، دخلت عبارة «البنوك الزومبي» إلى قاموس الأزمة اللبنانيّة، لوصف حالة المصارف بعد دخولها نفق الإنهيار المالي.

تستعيد هذه العبارة مصطلحاً جرى استخدامه في بداية التسعينات، للإشارة إلى مجموعة من المؤسّسات الماليّة والمصارف اليابانيّة التي امتلأت ميزانياتها بالخسائر غير القابلة للإستيعاب. لكنّها استمرّت بالعمل بفضل غطاء رسمي يقونن حالتها المتعثّرة. باختصار، يكمن وجه الشبه بين هذه المؤسسات وحالة «الزومبي» في افتقارها الصريح لمقومات الحياة الطبيعيّة، لكنّها في الوقت نفسه ليست ميتة تماماً طالما أنّها تمتص من المال العام، كما يمتصّ الزومبي- نصف الميت- الدم من ضحاياه.

لا يحتاج المراقب إلى الكثير من المعطيات ليؤكّد انتماء مصارف لبنان حاليّاً لهذا النادي من المؤسسات الماليّة التي تعتاش على فوضى السياسات النقديّة والحكوميّة الرسميّة وفسادها.

هل هناك دلالة أوضح من أن تمثّل فجوة الخسائر غير المعترف بها في القطاع المالي ما يزيد عن 44% من موجودات هذا القطاع؟ أو أوضح من أن تفشل المصارف في سداد التزاماتها للمودعين بالعملة الأجنبيّة، في حين أن المصرف المركزي يتوسّع في طبع النقد ليسهّل دفع هذه الودائع بالتقسيط بالعملة المحليّة؟ وكيف يمكن هذه المصارف أن تستمر في الحياة، لولا أنّها تعتاش اليوم من المال العام وطباعة النقد، وبوجود الغطاء السميك المتمثّل بلوبي سياسي رفض طوال سنة كاملة الإعتراف بالخسائر وتصحيحها؟


لكنّ حكاية هذا النوع من المصارف لا تنتهي هنا. فوجه الشبه الآخر مع الزومبي يكمن في قدرتها على تحويل الضحيّة إلى زومبي جديد، تماماً كما يحوّل الزومبي ضحاياه في أفلام الرعب إلى زومبي آخر.

على هذا النحو، تحوّلت الدولة اقتصاديّاً وماليّاً منذ شهر آذار من العام الماضي إلى دولة زومبي، بحكومتها ومصرفها المركزي. فلا هي قادرة على الإقتراض، ولا على سداد الديون. ولا هي قادرة على جباية ما تحتاجه للإنفاق، ولا الإستثمار. دولة معدومة الإرادة والقدرة بفعل إفلاسها وارتهان السياسيين لمصالح المصارف، ولا تملك حتّى مقوّمات المبادرة في أي مسألة. يمضي الوقت ببطء في وضعيّة الشلل والتعثّر، ويتآكل لحم الدولة وعظمها كل يوم، دون أن تنفع في شيء غير استنزاف ما تبقى من مواردها وهي في حالة من الخدر العميق.

إنها زومبي آخر، لا هو ميت ولا حيّ.

بالتأكيد، لم تكن الدولة اللبنانيّة يوماً، حتّى قبل الإنهيار، ذلك اللاعب الفاعل على مستوى شبكات الحماية والاستثمار في البنية التحيّة. لكنّ الإمعان في حالة التعثّر بعد شهر آذار 2019 ورفض التعامل معها، حوّل الدولة وأجهزتها إلى جثّة مفلسة غير قادرة على لعب أبسط الأدوار. وهذا لم ينتج إلا عن رفض معالجة أزمة المصارف الزومبي، وعن الإصرار على إبقاء الأمور في وضعها القائم: مصارف مفلسة لا تريد الإعتراف بخسائرها، ومصرف مركزي وحكومة يقتصر دورهما على ضخّ ما يحتاجه زومبي المصارف من دماء.


أخطر ما في الأمر هو أنّ شلل الدولة والقطاع المصرفي على هذا النحو الفظيع لا يأتي دون كلفة.

فحين تتحوّل الدولة إلى كائن شبه ميت بأدوارها الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وحين يتحوّل القطاع المصرفي إلى جثّة حيّة على هذا النحو، فهما يقتاتان على ما تبقى من طاقة المجتمع للاستمرار ككائنات شبه حيّة.

ولمعاينة هذه الكلفة، يمكن النظر – على سبيل المثال لا الحصر – إلى قيمة الأجور وهي تتهاوى، نتيجة اقتصار دور المصرف المركزي على طبع العملة لتمويل سداد الودائع والديون العامّة وإنفاق الدولة، وكذلك إلى وضعيّة الأسر اللبنانيّة بلا شبكات حماية، على أعتاب مرحلة رفع الدعم.

ربما لهذا السبب، بدأت أعراض المجتمع الزومبي تظهر علينا: نصف أحياء ونصف أموات، مشلولون بلا حلم أو مستقبل. قد يكون أمامنا بعض الوقت، لنرفض هذا الواقع، ونتمرّد على حالتنا الراهنة كمجتمع مخدَّر يسير بصمت نحو الهاوية. لكنّ الخضوع اليوم لن يعني سوى الذهاب إلى سيناريو الاستسلام لحالة الأموات الأحياء الذين يعيشون لتمتصّ زومبيات المصارف والدولة من عروقنا. عندها سنستحق بجدارة لقب الجمهوريّة الزومبي.

من المجتمع المنتفض إلى المجتمع المهزوم

حقبة الانهيار المالي الصريح معالم البؤس في جميع نواحي الحياة قرار مجلس شورى الدولة قرار فارغ الاحتياطات ولحظة الاصطدام ثمن سياسات ممنهجة عديدة تقرير البنك الدولي بنك عودة

من يدير دفّة الأزمة اليوم؟

حاكم المصرف المركزيرئيس الجمهوريّةوزراء تصريف الأعمالسلفة الكهرباء بتوقيع وإخراج استثنائيين في قصر بعبداالمسوّدة النهائيّة لقانون الكابيتال كونترولإضراب الصيادلة