تعليق كويريّة
راوي الحاج

الديموقراطيّة الضائعة والثيوقراطيّة الصاعدة

2 تموز 2022

يشكّل لبنان حالةً مثيرة للاهتمام في العالم العربي: بلدٌ صغيرٌ هشّ، تحوّل بين الحين والآخر إلى مسرح لمعارك جيوسياسية وصراعات عسكرية إقليمية، لكنّه حافظ إلى حدٍّ ما على ديمرقراطيةٍ نسبية ومساحةٍ من حرية التعبير تفرّد بها مقارنةً بدول المنطقة. على الرغم من ذلك، تحدّد الأخلاق الدينية أساس النسيج الاجتماعي اللبناني والسياسات الاجتماعية، كالعلاقات بين السكّان والتسلسل الهرمي للأسرة والمحظورات الجنسية، كما هو حال العديد من دول المنطقة، سواء حكمتها أنظمةٌ علمانية أم لا.   

لكن رغم سيطرة المؤسسات الدينية، كان الانشقاق عن معاييرها مقبولاً ومعذوراً في حال تأمّنت بالمقابل مكاسب مادّية. 

فخلال التسعينات، ولد شكلٌ جديدٌ مثيرٌ للجدل لصيغة الفيديوكليب في بيروت قبل أيّ مكانٍ آخر في العالم العربي. انتشرت هذه الفيديوكليبات على امتداد العالم العربي وسيطرت على وسائل الإعلام. قلّدت هذه الفيديوكليبات مقاربات جماليّة غربية، لتنتج دمجًا توافقيًا يشير إلى تصرّفات أو أسلوبيات غربية. استَخدَمت هذه الفيديوكليبات بشكلٍ أساسي مواقعَ غربيّة في الخلفيّة، أُضيفت إليها صورٌ مدموجة لسيّاراتٍ سريعة وجِمالٍ ورقصٍ شرقي، الأمر الذي خلق وعياً متضارباً للصورة الذاتية بوجه الحداثة الغربية المهيمنة. 

ما ميّز لبنان في تلك الفترة كان هذا الشعور بالحريّة المؤقتة إلى جانب قطاعٍ إعلامي مفتوح وراسخ. هذا الوهم الافتراضي بالانفتاح حوّل لبنان إلى مساحةٍ آمنة للأشخاص الذين يتّبعون أنماط حياةٍ بديلة، وسرعان ما أصبحت بيروت عاصمةً لمجتمع الميم-عين في العالم العربي. توافد سيّاح المنطقة إلى بيروت للاستمتاع بهذا الانفتاح والتقبّل الجنسي، في مكانٍ مليءٍ بالاحتفالات والحفلات الموسيقية والنوادي الليلية المخصّصة لمجتمع الميم-عين، كلّها في خدمة سائحٍ عربي في بلدٍ يتكلّم اللغة العربيّة. أدرك رجال الدين والسلطة على حدّ سواء أنَّ جني الأرباح ممكن من هذا التدفّق. 

في طبيعة الحال، أثارت الأجهزة الدينية الإسلامية والمسيحية اعتراضاتٍ على ظاهرة «الفجور» هذه، لكن تمّ تجاهل هذا الاستياء. 


كلُّ ذلك انتهى اليوم. 

انتهت المرحلة المؤقتة للحريات الجنسية، مع الانهيار المالي الكلّي الذي هندسه القطاع المصرفيّ والتحالف السلطوي بين أطرافٍ حكوميّة وتدخلٍ خارجي وأجهزةٍ دينية تكرّس الانقسامات الطائفية. 
بما أنَّ «الفجور» لم يعد مصدراً ربحيّاً، قرّرت السلطة أن تتحالف علناً مع المنظومة الدينية، وأصبح مجتمع الميم-عين الأعزل كبش الفداء. انتقمت الأجهزة الدينيّة مجدّداً، وأعادت ترسيخ الأخلاق الدينية كالوصيّ المطلق والنهائي على الأجساد: يجب على الجنسانيّة أن تتقيّد بالأحكام الدينية. 
الحقيقة هي أنَّه تمّ  في الماضي استرضاء العناصر الثيوقراطية المترسّخة في مجتمعنا كي تتنازل مقابل كسب رأس المال. طالما وُجدت قيمةٌ ربحية استفاد منها بعض أركان السلطة، غُضَّ النظر عن الحريّة الجنسية. لم يُطارَد تجّار المعبد بسَوط، بل تمّ شراؤهم بحفنةٍ من ذهب. 
يستعدّ الحكم الثيوقراطي الآن للسيطرة على زمام الأمور مجدداً. أساء وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي علناً إلى مجتمع الميم-عين عبر تصريحاتٍ هوموفوبيّة، مبشّراً بفرض مزيدٍ من الحظر على المثليّة الجنسيّة. وحظرت الحكومة اللبنانية التجمّعات الثقافية والفنية التي تتمحور حول الجنس والجنسانية، بقرارٍ من وزير الداخلية الذي استند إلى إشارةٍ من السلطات الدينية. 


دعونا لا نخدع أنفسنا. لم يتوقّف قط حلف رجال الدين والحكومة عن توظيف قوّته المشتركة في القمع. في نهاية المطاف، تحاول الحكومة استبدال التقاليد الديمقراطية بتقاليد استبدادية. وما من مسارٍ أفضل للقمع في هذا البلد غير إحياء العواطف الثيوقراطية المضمرة التي تسعى إلى حكم الجسد والعقل.

آخر الأخبار

مقابلة هادي مطر مع ذا نيويورك بوست
بعد إحراقها على يد زوجها هناء خضر تَنضَمّ إلى ضحايا العنف الأُسَري 
متغيّرات الأسعار مع اعتماد الدولار الجمركي 20,000 ليرة لبنانية 
ميقاتي يعِد بحماية الأهراءات بعد حرقها
ملف اللاجئين - النظام السوري يكذب والحكومة اللبنانيّة تصدّق
المودع بسّام الشيخ حسين إلى الحرية وتخوّف من خطف إنجازه