تحليل انفجار المرفأ
جوناثان داغر

الوقت حصانة المجرمين

23 حزيران 2022

الوقت 

لا يمكن استباق التحقيقات، عبّاس إبراهيم، 4 آب 2020.

العدالة المتأخّرة ليست بعدالة، ميشال عون، 7 آب 2020.

ننتظر نتائج التحقيق، حسن نصرالله، 7 آب 2020.

5 أيام… ماكسيموم، محمد فهمي، 6 آب 2020.

الوقت هو المسافة بين الجريمة والذاكرة، بين الكلمات ومعانيها، بين الحقيقة والرواية.
الوقت حليف المجرم. 

لم نكن نعلم ذلك يومها، في ليلة 4 آب. لم نكن نعلم أنّ تلك الغيمة الحمراء التي رأيناها في السماء تبشّر بزمنٍ جديد، زمن لا يُحتسب الوقت فيه بالأيام والأسابيع والأشهر، بل بالمسافة التي تجرف بالمدينة بعيدًا عن العدالة. 


الانتظار

منذ الساعات الأولى، راهن المجرمون على الوقت.

انتظروا الصباح للبدء بعمليات البحث عن الناجين في المرفأ.
انتظروا التحقيق 5 أيّام. 
انتظروا التحقيق شهراً. 
انتظروا انتهاء فترة التعازي والوعود والدموع. 
انتظروا زيارة ماكرون. 
انتظروا تعيين محقّق عدلي. 
انتظروا إقالته. 
انتظروا رحيل ماكرون. 
انتظروا حريقاً ثانياً في المرفأ. وثالثاً. 
انتظروا تنفيذ جرائم منفردة هنا وهناك. 
انتظروا تعيين رئيس حكومة. 
انتظروا عودة ماكرون. 
انتظروا تشكيل حكومة. 
انتظروا الكورونا. 
انتظروا تعيين محقق عدلي ثانٍ. 
انتظروا رفع الحصانات. 
انتظروا انتهاء آخر يوم من المهل القانونية ليمتنعوا عن رفع الحصانات. 
انتظروا تراجع المحقق العدلي أمام تهديداتهم. 
انتظروا بداية حرب أهلية صغيرة في الطيونة. 
انتظروا نهاية حرب أهلية صغيرة في الطيونة. 
انتظروا تعطيل الحكومة. 
انتظروا عودة الحكومة. 
انتظروا الانتخابات. 
انتظروا محاكم التمييز. كفّوا يدّ محاكم التمييز. 
انتظروا تعيين قضاة جدد. 

ها هم اليوم ينتظرون توقيعاً سخيفاً لوزير المال لتعيين القضاة الجدد. توقيع لن يأتي، إلّا ومعه عرقلة جديدة علينا انتظارها. 

عامان من الانتظار البطيء والمملّ بعد أحد أكبر الانفجارات التي شهدتها الكرة الأرضية.

يصادف اليوم إتمام 6 أشهر من التعطيل التام، الكلّي، للتحقيق، فيما يتجوّل المجرمون المتّهمون مع ابتساماتهم العريضة في شوارع مدينة قتلوا سكانها. يتصرّفون وكأن شيئًا لم يكن. هم لا ينتظرون شيئًا،  فالوقت حليفهم.


الحصانة 

لا يدّعي المجرمون أنّهم أبرياء.

يعلمون أنّنا نعلم أنّهم مذنبون، ولا يحاولون أن يقنعونا بالعكس. لا يتمسّكون ببراءتهم، كما يفعل الأبرياء عادةً. تكمن استراتيجيتهم بكل بساطة بالاختباء خلف الحصانات- النيابية والإدارية منها- والمماطلة بطلبات الردّ. لا يدّعون أنهم أبرياء، بل يتفاخرون أنّ محاسبتهم ممنوعة. 

التمسّك بالحصانة اليوم هو النقيض التامّ للتمسّك بالبراءة.  

علنًا، هم ينفون دورهم بالجريمة، وينكرون ويستنكرون ويتأسّفون ويغضبون. لكن حتى الساعة، لم يقدّموا حجّة واحدة مقنعة لتبرئة أنفسهم. لا يستطيعون أن ينكروا تواقيعهم على وثائق ورسائل النترات. لا يمكن أن ينفوا مسؤولياتهم كرؤساء ووزراء ونوّاب وزعماء وأمنيين ومدراء وقياديين في الجيش. 

لكن في الحقيقة، هم لا يكترثون. لا يهمّهم إثبات براءتهم. فالبراءة للضعفاء. من يريد أن يثبت براءته أمام الرأي العام، يلجأ إلى القضاء. أمّا الذي يعطّل القضاء، فهو يريد أن يثبت قوّته. من يعلم أنّه سيحتفل بفوزه بالانتخابات على أكتاف مناصريه رغم مذكّرة توقيف صادرة باسمه، لا تهمّه البراءة. فهو لديه القوة. 

كل ما يريدونه الآن هو إثبات قوّتهم، تلك القوة المتمثّلة بحصاناتهم أو بتفسيرهم المشوّه لها. 

الهدف الدستوري من الحصانة النيابية هو حماية المشاركة الديمقراطية في البرلمان. يتمتّع النائب بحصانة طوال فترة انعقاد مجلس النواب (بحالات معينّة فقط)، كي لا يتحوّل النائب عرضةً لتوقيفٍ تعسّفيٍ يغيّبه عن حضور جلسات البرلمان ويحرم ناخبيه من التمثيل في المجلس. 

وُجدت الحصانات إذًا لمنع تعطيل المؤسسات، لا لتعرقل عملها.
وُجدت الحصانات إذًا لحماية الناخبين، لا لقتلهم.
وُجدت الحصانات إذًا لتكريس دولة القانون، لا لحماية القتلة. 

لم يكن من الممكن تحوير مبدأ الحصانات وتشويهه وتكذيبه واستغلاله لولا تواطؤ الرؤساء والنواب والمدراء وقضاة التمييز في مسرحيّة حماية المجرمين. إنها مؤامرة على العدالة، ولم تكن لتنجح لولا مرور الوقت. 

عندما رأى النظام الغيمة الحمراء في السماء، فهم أنّ العقاب لن يأتي. فنظر النظام إليها، باطمئنان: السماء حمراء، الوقت يمرّ، والمجرمون بألف خير. 

آخر الأخبار

مقابلة هادي مطر مع ذا نيويورك بوست
بعد إحراقها على يد زوجها هناء خضر تَنضَمّ إلى ضحايا العنف الأُسَري 
متغيّرات الأسعار مع اعتماد الدولار الجمركي 20,000 ليرة لبنانية 
ميقاتي يعِد بحماية الأهراءات بعد حرقها
ملف اللاجئين - النظام السوري يكذب والحكومة اللبنانيّة تصدّق
المودع بسّام الشيخ حسين إلى الحرية وتخوّف من خطف إنجازه