باصات الله وأشباحه

لولا الباص لكانت طرابلس مقيمة في وحدتها، مكتفية بحدودها المنفلتة مع جوارها الجبلي. جاء الباص في أواخر الثلاثينات، معيداً علاقتها مع الخارج. لولا هذا الباص لما اخترعت المدينة أوهامها، عن نفسها وخيالات تعيد توليفها، لزمان انفصل عن لبنان الكبير الذي بدا أنه تطور أكثر منها وأسرع خطاه، فيما هي بقت في ماضيها، تتعثر بما بقي.

كان الباص يمط المدينة الى خارج أسوارها التي عرفتها يومًا. فعرفت الأبواب التي تغلق في الليل، كبابَي الحديد والتبانة، تغلق على أنس سكانها وبساطتهم، حين كانوا مكتفين بتجاراتهم مع محيطهم السوري. كان الباص وصلًا ضروريًا ليعيد بناء هندسيات المدينة التي ارتأت الماضي ولاذت اليه، نوعًا من الحماية واستشراسًا بالماضي. كان الباص، تشكيلًا لهوية حداثية، للمدينة المهزومة التي سرقوا منها مرافقها وأحاطوها بهالات النوم وهوامات يقظة الكيان اللبناني المحدث والمركب غوغائيًا. فعرفت كيف تثور لتصنع دويلاتها الصغيرة، من ثورة الخبز، ومشيخات خليل عكاوي ودويلة القدور الى إمارة التوحيد. كانت المدينة تعيد تكوين جلدها وتنتفض عليه، وتجرّب.

جاء الباص كي يحمل ناسها إلى مدن أخرى أقلّ دورًا منها، وإلى مدينة اسمها بيروت، أكبر وأعلى منها مكانة بعدما أعطيت لها امتيازات ما بعد نشوء دولة لبنان الكبير. كان الباص هو من ربط فعليًا هذه المدينة الساحلية التي تتميز بحمضياتها ومهنها الأصيلة بلبنان الكبير الذي لم تكن تريده. أي انها دخلته مهزومة. بعد أن نُتِشت من داخلها السوري نتشًا.

كان الباص حادثة غير هامشية لتاريخ المدينة ونشوئها الحديث وتركيبها. فهذا الباص استطاع نقل اولادها الى الجامعات وأساتذتها وخبرات معلميها في بيروت ومناطق خارج أسوارها. كان الباص أشبه بقطار ينقل الأحلام والمآسي والأحزان ويبددها في الطريق البحري، حيث الباص سينما الذين لا اعمال لهم. ينزلون بيروت في الباص، كي يشاهدوا شريطًا حيًا يمضي خلف البوسطة وعلى طرفي شبابيكها، هؤلاء الذين كسرتهم بيروت بعد أن خسروا مصانعم وتجاراتهم مع فقدان المدينة لدورها. ينزل بعضهم بقناني الويسكي والعرق المخبأة في جيبوهم، كي يخرجوا من الخنق. كان الباص رحلتهم كي لا يموتوا. كان للمدينة باصات تصنع البهجة وحيوات مطفئة تنمو وقصص حب تكبر على مقاعدها وأحلام شابة تريد أن تعلو. لم يكن يومها للمدينة باصات سوداء، وأخرى لله وأشباحه.

كان الباص متن العلاقة بين طرابلس والخارج، أي الحدود الفاصلة بين بولفارد المدينة ومطل شاليهاتها الى بيروت، وأداة لنقل أطايبها، قبل أن تعرف طلبات الديلفري رواجًا. كان البوسطجي، من موقفَي الأحدب وقطب يحمل ما يوصى به من حلويات البقلاوة وعلب حلوى الجبن والمفروكة الى سكان بيروت. يومها لم يكن الباص إلهيًا. أي أن لا دور دينيًا مناط به. كان مجرد وسيط مديني، يجمع المركز بمدينة أطراف. كان الباص هو رحلة أبنائها الغاضبين كي يروا مدنًا أخرى تكبر فيما مدينتهم تذوي. وخلف خسارات جيل الآباء من الناصريين والعروبيين والقوميين الذين ما فتئوا أن صاروا أشباح مقاهي المدينة المطفأة.

كان الباص وسيلة أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة كي يكتشفوا أشغالًا خارجها وكي يتخلصوا من بطالات تراكمت. كي يكتشفوا غضبهم من لبنان الكبير ومجتمعاته التي رأوها في رحلة الباص مثل شريط سينما. فيلات وأبنية زجاج وسوبرماركات ومولات ومصانع ضخمة فيما مدينتهم يكسوها الغبار وصور حيتان المال والحرمان الذي صنع صورتها كأفقر مدن المتوسط. كان الباص منقذ العشرات من العائلات الطرابلسية الفقيرة التي بدأ رجالها يكتشفون أعمال البناء والباطون والسكوريتي والعتالة، في جبيل وجونيه وبيروت والمكلس.
لم تكن المدينة يومها تعرف باصات الله المبشِّرة بغضبه، ولا المتحمّسة لشعارات ماضوية.

عرف الباص الطرابلسي دوره السياسي الأوّل، منذ أن نُقل مناصرو تيار المستقبل عبره للمشاركة في تشييع رفيق الحريري وبعدها في التظاهرات المطالبة بالخروج السوري من لبنان. ثم تبدّل دوره وصار ناقلًا لبعض الموالين لأحزاب دينية محدودة، خصوصًا في الغزوة التي شهدتها القنصلية الدنماركية في بيروت (شباط 2006). وفي الأمس، كان لبنان ينسى باصات المدينة المبتهجة برحلاتها الأنيسة وباتكاءات روّادها العمّال والرؤوس المتعبة التي تغفو على شبابيكها. رأوا فقط رهطًا من أولادها المتعثّرين في الحطام، نازلين منها وبأياديهم رايات سوداء، هي أبعد ما تكون عن روح المدينة المرحة التي رغم بؤسها، تطبطب على أكتاف هؤلاء الصبية «أشباح باصات الله» المنكسرين بعد عودتهم من بيروت. هم أبناؤها ولو كانوا قلّة ممحوّة، لا تظهر إلا بأمر قيادة حزب التحرير الذي يكاد لا يعرفه أحد في المدينة. حزب يريد ولاية إسلامية، في مدينة قدّمت كل الصكوك الممكنة في الثورة ومن بعدها كي تزيل هذا الاتهام. مدينة لم يعد فيها أمل، ولا رحلات باص، في زمن الكورونا والبطالة وارتفاع الأسعار.

استغلال، استغلال مضاعف، استغلال أكثر من مضاعف

رواية «طرابلس الإرهابية» طرد 51 عاملاً بشكل تعسفّي ترهيب عمّالها تحت الهواء للاعتداء والضرب من قبل طليقها التهميش وفق القسمة الطبقية للاستغلال والتهميش وفق أُسس جندرية أو مناطقية أو قومية في كل ميدان، صراع

هنا المقبرة التي يشاهدها العالم بصمت

كان يخشى القاتل ضحيتهالقاتل جبانٌ مرّتينيتعدّى جبنه ليعلن عن ذلّه ووضاعتهالقاتل هو حاقد مسبقفقأوا أعين المحتجينكلما جن جنونهمحرب شاملة على الناس