بعد التسكير، تسكير

انتهى اليوم الأوّل من التسكير.

كان نهاراً غريباً. حواجز فرحة تمنع بكلّ محبة مواطنين من سلوك بعض الطرقات وتوجّههم نحو مسارات فرعية. طلاب وطالبات يستملكون الشوارع ويحوّلونها لأماكن عامة، بعدما أن سلبت منا تلك المساحات. وباستثناء بعض المواطنين الذين امتعضوا من التسكير، تعاونت الأكثرية وتواطأت مع قطّاع الطرق. لا شكّ أن بيروت كانت أقل قسوة اليوم مما هي عادة.


بيد أنّ السلطة لم تكترث لما حدث.

فيبدو أنها لم تتوجّع من تسكير شوارع مدنها، كما أنّها غير معنية بأنّ أكثرية المواطنين يتظاهرون ضدّها. ما زال السياسيون ينظرون إلى مسألة التغيير الحكومي بالمنطق نفسه الذي ساد في الماضي، أي محسوبيات ونكايات خاصة بناديهم. فمن منظور السلطة، الثورة أشبه بكارثة طبيعية، أصابتهم فجأة. الثورة ليست شريكة في الحكم أو حتى طرفاً يجب إرضاؤه، هي غضب أو وجع أو صرخة، مجرد أحاسيس غوغاء.


السلطة لم تردّ بعد لأنها لم تتوجّع بعد.

هي لم تحتَج أن تُفلت «كلابها في الشوارع»، هي ما زالت تستطيع أن تحتوي الثورة، أو تعتقد أنها تستطيع ذلك. ما زال اتكالها على تحويل الاحتجاج السياسي إلى فولكلور مدني، الزمن والملل كفيلان بالقضاء عليه. فالتهديدات بالانهيار ومطالبة الثورة بمراعاة الوضع العام من جهة، ومحاصرتها بساحات مسيّجة وإجبارها على فتح الطرقات من جهة أخرى، ينذران بتحويل الثورة من فعل سياسي يهدّد السلطة إلى مهرجان يعيد إحياء وسط بيروت الميت اقتصادياً. السلطة لم تردّ بعد لأنها لم تضطر على ذلك.


الثورة باتت أكبر من مطلب إسقاط الحكومة.

رغم كل هذا، باتت الثورة أكبر من المشهد السياسي. أو بكلام آخر، إذا أرادت الثورة أن تفلت من خط تطويعها من قبل السلطة، بات من الضروري الخروج من السياج الذي فرضته عليها السلطة أو فرضته هي على نفسها. ومن بين هذا السياج، السياج الزمني المرتبط بإسقاط الحكومة. فهذا المطلب الموحّد بات تحدّياً في وجه الثورة، يهدّد بأي لحظة بسحب البساط من تحتها من دون تقديم أي ضمانة بتغيّر أسلوب الحكم. فربّما بات من الضروري التفكير بتوسيع أفق المطالب اليوم، كالمطالبة بانتخابات مبكرة كالأفق الجديد للحراك، بعد إسقاط الحكومة. بكلام آخر، سحب المبادرة من السلطة، حتى مبادرة إسقاط نفسها.


التفلّت من سقف إسقاط الحكومة، ولكن أيضا الخروج من منطق تأجيل الثورة.

هذه الثورة ليست من أجل إسقاط الحكومة فحسب. لا يمكن للثورة أن يكون لها هدف خارج عنها. فسقف الثورة هو الثورة. زمنها هو الآن. تسكير الطرقات واحتلال الساحات ليسا مجرد خطوات مرحلية تهدف إلى تحقيق مطلب سياسي، كإسقاط الحكومة. هما الثورة بحد ذاتهما، تمرين على علاقة جديدة مع المدينة والأماكن العامة ومنطق الاحتجاج والروابط الاجتماعية… فإذا كان علينا الهروب من حد إسقاط الحكومة من خلال دفع المطالب نحو الأبعد، علينا أيضاً أن نعود إلى «الآن» ونحرّر الثورة من أي مطلب خارج عنها. أو بكلام أدق، أن نعيد تحرير الساحات من الأسياج التي فرضت عليها.

الثورة أبعد من مطلب إسقاط الحكومة وأعمق منه.