بكرا الناس بيتعوّدوا

يوم لامس سعر صرف الدولار حدود الأربعة آلاف ليرة، في أواخر نيسان من العام الماضي، وخاف حسّان دياب من انفجار الأمور في الشارع في الشهر الثالث من ولاية حكومته، عاجله في ذلك الوقت رياض سلامة بعبارته المطمئنة:

بكرا الناس بيتعوّدوا، وما حدا رح يجوع

لم تكن هذه العبارة خلاصة دراسة اقتصاديّة ولا خطّة ماليّة. كانت في واقع الأمر رهاناً سياسياً كبيراً بالدرجة الأولى. كانت قبل كل شيء عنوان المرحلة بالنسبة إلى خندق يمتدّ من جمعيّة المصارف إلى لوبيات المجلس النيابي وبينهما سلامة كنقطة تقاطع لمصالحهم.

رهان أثبتت الأيّام أنّه قابل لأن يُترجم لاحقاً على أرض الواقع، بمجرّد تجريد الرأي العام من إرادة المواجهة.


بكرا الناس بيتعوّدوا حين يصبح هدفنا انتظار لوائح جديدة من وزير الصحّة، يستثني فيها المزيد من الأصناف من قائمة الأدوية المدعومة، كي تعود هذه الأدوية إلى الأسواق بمجرّد «تحريرها» من آليات دعم مصرف لبنان.

هنا، تصبح صرخات المستوردين لرفع الدعم مطلباً شعبياً، تحت وطأة معادلة «رفع الدعم أو انقطاع الدواء». فيخرج من النقاش السؤال عن طبيعة السياسة النقديّة التي سيتضاعف بسببها سعر الدواء أكثر من 11 مرّة، ما إن يتمّ استيراده بدولار السوق الموازية.

أن نتعوّد على هذه السياسة النقديّة ونسلّم بها وبالمستفيدين منها، ثم نبحث عن حلول تحت سقفها، هو بالضبط ذاك الرهان السياسي.

بكرا الناس بيتعوّدوا بمجرّد أن يمضي الجميع أيامه متسائلاً عن موعد مجيء الفيول العراقي الذي سيشتري للبنان أربعة أشهر من الضوء بنفس جداول التقنين البائسة، ثمّ تتصدّر المشهد صور رجل الأمن الذي توسّط لإنجاز الصفقة.

أن نتأقلم مع هذا البؤس، يعني أن نبحث في الأخبار العاجلة عن مصير باخرة المازوت التي تجاهد منشآت النفط لتفريغها مطلع الشهر القادم، بعد أن نفذ مخزونها من هذه المادة تماماً، وسلمنا بانقطاع كهرباء المولدات الخاصّة.


من يسأل اليوم عن مصير خطة الكهرباء، والصفقات التي أفضت إلى إسقاط مصداقيتها ومن ثمّ إحالتها إلى التقاعد؟
من يسأل عن الطريقة التي تمّ، وما زال يتمّ، من خلالها الإنفاق من الاحتياطات خارج أي سياسة متفق عليها مع الحكومة، والتي يمثّل شحها السبب الأساسي لهذه الأزمة؟
لا بل من يسأل عن سبب الاعتماد على هذه الاحتياطات منذ 2019، دون أن يتمّ العمل على آليّة مرنة ومتدرجة للخروج من سياسة تمويل استيراد المحروقات؟

لا دلالة على التسليم بالمأساة والتعوّد عليها أفضل من تجاهل كل هذه الأسئلة اليوم، وهي أسئلة كان من المفترض أن تشكّل معركة شعب يقف على عتبة العتمة الشاملة.

على هامش كل هذه الأحداث، يصبح من المتوقّع أن يتمّ تقزيم طموحات المقيمين في ظل الأزمة، لتقتصر على التفاؤل بتكليف شخص ما —كائناً من يكن— لتشكيل الحكومة المقبلة.

لا بأس إن لم نعرف خطّة الرجل للتعامل مع الأزمة، ولا مشكلة إن لم يعلن عن رؤيته لكيفيّة توزيع خسائرها. لا يوجد ما يدلّ على أنّ نجاحه بتشكيل الحكومة سيحيلنا إلى واقع أفضل مما نعيشه اليوم. هنا، يصبح هذا التفاؤل الساذج جزءاً من تطبيع البؤس الذي نعيشه، وجزءاً من التعوّد على الانهيار وكلفته.


على مقربة من الأماكن التي شهدت احتجاجات ثورة تشرين الأول 2019، بإمكان المراقب أن يرى طوابير السيارات أمام محطات الوقود نهاراً، أو شبابيك المنازل المعتمة ليلاً. مشهد تتوازى فيه ذكرى التمرّد والانتفاضة مع حاضر البؤس والسكون المطبق، فيسأل المرء نفسه:

أفعلاً مرّت ثورتنا من هنا؟
أحقاً رسمنا على جدران هذه المدينة أحلامنا ذات يوم؟
كيف أحالتنا أحداث سنة وثمانية أشهر إلى هذا الواقع المحبط؟

قد تحتاج الإجابة إلى أكثر من مقال.

الصدمة المُمَنْهَجة

حالة عامّة من الضيعان للصدمة، أو الصدمات تهديم لأسس الحياة الصدمة المفبْركة ناومي كلاين في كتابها «عقيدة الصدمة» تحميل الطبقات الأكثر ضعفًا ثمن الانهيار

التباسات ميقاتي وخطورته

الصفقات التجاريّة والاستثماريّة في قطاعَي الاتصالات والشحنرأس رياض سلامةأولى العواصم التي يزورهاالتصرّف بأموال حقوق السحب الخاصّةمتفهِّماً لأهمية التفاوض مع صندوق النقدانسجامه مع معسكر المصارفحساب المودعين وسعر الصرف على المدى الطويل