تظاهرة يوم الأحد

ربّما كان كلّ ما فعلناه الشهر الفائت هو أخذ عطلة من حياتنا اليومية، حياة كانت ميزتها الوحيدة تأقلمها مع حالة الانهيار البطيء التي باتت مرادفاً لـ«طبيعية» الحياة عندنا. «كيفك؟»، «والله، خرا»، «ماشي، منشوفك». حديثنا اليومي.

جاءت الثورة، وأخذنا عطلة من هذا الانهيار. تظاهر، تسكير للطرقات، إسقاط لحكومة، شتم للسياسيين، إغلاق جل الديب، فرح في الساحات، تلاميذ خارج صفوفهم، مواجهات مع قوى الأمر الواقع، أمهات على المحاور، موظفون في وجه أرباب العمل، قصّة شعر أمام المصرف، أحاديث في ساحة النور، أبطال في كفررمان وبعلبك…

ربّما كانت مجرّد عطلة، وهذا ما راهنت عليه السلطة: «يفشوا خلقن شوي، وبترجع الأمور مثل ما كانت». ففي آخر المطاف، على الحياة اليومية والطبيعية أن تعود إلى الواجهة، وعلى الناس أن تعود إلى أشغالها، والتلاميذ إلى عامهم الدراسي، والناس إلى بيوتها. وإذا كانت الحياة اليومية ليست كافيةً كأداة تأديبية، هناك التهديد بالحرب الأهلية، تهديد بأنّ هذا الواقع الذي ثُرتُم عليه ما زال أفضل من كابوس الحرب، فـ«عودوا إلى ما قبل الثورة أحسن ما ترجعوا إلى الحرب».

بدأنا نعود، بتردّد، مرغَمين، وربّما منهَكين. بدأنا نعود، ولكن لم يعُد هناك ما نعود إليه.

عُدنا ولكن «حياتنا الطبيعية» لم تعد هناك. خلال عطلتنا القصيرة في الساحات، انهار الاقتصاد ومعه الليرة، اختفت المواد الأولية، صرفت الشركات موظفيها، انفضح ما تبقّى من الطبقة السياسية، لم تشكَّل حكومة، ما من سلطة تخطّط للخروج من الأزمة…

عُدنا ولكنّ حياتنا لم تكن في انتظارنا. لم يعد هناك أي «طبيعيّ» يمكن التمسّك به من أجل بعض الثبات.

عُدنا لنكتشف أن «الطبيعي» بات استثنائيًا، أنّ أبسط الأمور كتعبئة البنزين أو شراء علبة دخان أصبح معقدًا، أنّ التخطيط لأي مشروع لما بعد يوم أو يومين صار مستحيلًا، أن المعاشات في آخر الشهر لم تعد مضمونة، أنّ ما بدأناه قبل الثورة لم يعد له أي معنى من بعدها.

سقطت «طبيعية» حياتنا الطبيعية، سقط بديهيات هذه الحياة، ومعها سائر الطرق التي طوّرناها، غالبًا من دون معرفتنا، للتأقلم مع الانهيار.

ولكن ما اكتشفناه كان أخطر من هذا الوعي لهشاشة الحياة الطبيعية. فما فرضته الثورة علينا هو الاعتراف بأن ما اعتبرناه طبيعياً لسنوات هو الاستثناء، وأنّ هذه الحياة التي تدعونا السلطة إلى العودة إليها هي استثناء طويل. نظام ما قبل الثورة كان نظامًا استثنائيًا، والأزمة لم تكن نهايته بل تأكيداً على طبيعته الاستثنائية.

الحياة اليومية استثناء، والثورة هي الحياة الطبيعية، هي الحياة كما يجب أن تكون. هذا ما اكتشفناه منذ أربعين يومًا، أن الحياة الطبيعية مع تناقضاتها وصراعاتها وفرحها وإحباطها ممكنة، لا تحتاج إلى الكثير، تكفيها بعض المساحات العامة وبعض الاعتراض وبعض الاشتباكات.

لن نتظاهر غدًا من أجل عدم «العودة» إلى الحرب وأشباحها، وحسب. فلن نعود إلى هذا التاريخ مهما حصل. سنتظاهر من أجل استمرار الثورة، من أجل استمرار الحياة الطبيعية التي حُرِمنا منها لعقود.

الثورة كعيادة نفسيّة

وحتى لو أتتْ لحظة العنف لم تعد تعنيه كلمة المستقبل كأنّ الحيّز العام لم يكن فيه خطر تقسيم الشعب طبقاتٍ أفقية وعمودية حيّزاً شاملاً لا شمولياً الواقع اليوم هو الفجاجة ما عادوا بعبعاً من نظرة النقص والدونية الثورة بداية لأثر عميق

أبواق الحرب الأهليّة

تبدأ دائماً بقضايا مطلبية السلاح الإقليمي تركيبتهم الطائفية والاجتماعية ومعادٍ لكل القضايا القومية الفارق شاسع بين المرحلتين منظمة التحرير الفلسطينية حين أُخرجت سوريا من لبنان لتسقط 7 أيار