تمرُّد في مطار بيروت الدولي

غطّت الطائرة في مطار بيروت الدولي، وانتظرت الفتاة (أنا) أن يُفتح باب الطائرة لتنهض، تحمل أغراضها، وتزحف عبر الطائرة، ثم تركض عبر الممرات إلى شبّاك الأمن العام.

وصلتُ بسرعةٍ لافتة وأقنعتُ أمن عام الدبلوماسيين بأن يختم جواز سفري. «تشك». ختم الباسبور، وهرعت إلى الركن الطبي، وفحصوني كورونياً.

وبغمضة عين، صرت أنتظر حقيبة السفر، وصديقي ينتظرني في الخارج ليقلّني في أخر الليل إلى بيتي. أنتظر وأنتظر حتى طلّت العروس الحمراء، وسحبتها عن السجادة الإلكترونية.

وبينما يحملني الفرح الى باب الخروج وعبطة الاستقبال، أصدَم ببحر ناس. كلنا متفاجئون، مصدومون، نحاول أن نقف في طابورٍ لا نفهم متى تم اختراعه في مطار بيروت الدولي، بعد تثبيت قوسٍ يفصل الداخل عن الخارج، كُتب عليه: 

الجمارك اللبنانية

كانت الجمارك مع ماكينتها الوحيدة موجودة من ذي قبل، لا تُفعّل دائماً، وعندما تُفعّل يشير موظّفها إلى مسافر أو آخر ليمرّر حقائبه عبرها. الليلة، ولد لها قوسٌ، وصارت محطة إجبارية. حمولة حوالي ثلاث طائرات من المسافرين.ات المحمّلات بالأغراض لناسهم.ن المقطوعين من كل شيء في لبنان، فُرض عليها أن تنخرط في طابورٍ ليمرّوا جميعاً عبر تلك الماكينة الكئيبة.

وكلمة «طابور» كبيرة على المشهد. كنّا كتلاً من البشر، حوالي مئتي بني آدم في تلك الردهة الضيّقة، وعشرات الحقائب المتكدّسة أمامهم وبينهم، يحاولون أن يصنعوا صفّاً يلتفّ حول نفسه، يصبح حلزونياً ليتّسع، والمسافرون.ات يتوافدون، ولا يجدون لأنفسهم مكاناً فيه أو منطقاً لاصطفافه. مشهد مجنون.

يعلو التململ. ما هذا؟ متى اخترعتم هذا؟ عن ماذا تبحثون؟ 

يقول أحدهم بحرقة: 

الأمونيوم 

الناس مصعوقون.

نحاول أن ننتظم حضارياً لكن المشهد همجي. ربع ساعة ثم يخرج رجل عن طوعه ويصيح: بدكن تذلونا؟؟ شو هيدا؟ يا عيب الشوم عليكن، عيب عليكن، هيدا ذل!
يتفجر غضبه أكثر والناس يساندونه، نهبتونا!، فجرتونا! ... حتى يعلن الرجل بأنه لن يلتزم بهذه المسرحية الأمنية وسيخرج مباشرةً إلى صالة الاستقبال، ووقّفوني إذا فيكن.

بغمضة عين، صرنا كالنمل نتجه من كل نواحي هذه الحلزونة إلى القوس. كل الناس تركوا الطابور وحشروا أنفسهم ومروا عبر القوس الذي لا ممرّ إلى الخارج سواه. أحدهم صاح: ثورة! الناس تابعت تحرّكها بلا بطولة، وإنما بإصرار واقتناع وبديهية، بينما وقف ثلاثة موظفين جنب ماكينتهم الوحيدة مستندين إلى الحائط، يتفرجون على التمرّد ويتلقّون سيلاً من الوجوه الغاضبة المحتقرة الساعية إلى الخارج أكثر منها إلى المواجهة. لا يبدو على أحد الاحترام لسلطة أو حتى الاعتراف بسلطة. أفففت هائلة، إلكم عين ضخمة.

كان الناس كمن يلقون بالسلطة في سلة المهملات، بلا اكتراث لمواجهة معها. الغضب واضح والتمرّد حاصل، القرف واضح والإحساس بتقطّع سبل التغيير الجذري واضح. فألغى الناس هذه المحطة من محطات السلطة العشوائية، ومضوا في سبيلهم.

ففي هذه الاثناء، كان مجلس النواب يؤجل البتّ بكافة مشاريع الدعم الاجتماعي الاستثنائية والهزيلة، على الأرجح لفترات انتخابية. ناهيك عن موضوع الإنتخابات التي صار إجراؤها سؤالاً ومطلباً! رئيسٌ لن يوقّع، وكتلٌ ترفض التمديد، وكتلٌ ترى.. كأن الانتخابات صارت خياراً!

وفي هذه الاثناء، يرتفع الدولار بشكل غريب وهستيري، ويستفحل الانهيار، وتصدر تقارير منظمات الأمم المتحدة لتخبر بأن الشعب يجوع، حرفياً لا مجازياً.

وفي هذه الاثناء، يزداد سعر الدواء المتوفر 10 أضعاف، وينقطع الدواء الذي ما زال مشمولاً بالدعم، ويستحيل الاستشفاء.

وفي هذه الاثناء، يهرب 400 عنصر من الأمن الداخلي، بينهم ضباط، علماً أن 400 هو الرقم المعلن، وليس بالضرورة الرقم الحقيقي. من يصدّق أنّ لهذه السلطة قدرة على الإحصاء أساساً؟

وفي هذه الاثناء، ترتسم الطوابير منذ منتصف الليل أمام الأمن العام، على أمل أن تفوز بدورٍ لتقديم طلب تجديد باسبور في الصباح.

وفي هذه الأثناء، لا تتوفر لدى الدولة كلفة بطاقات إقامة للأجانب، فصارت معلوماتها تُطبع على ورقة عادية.

وفي هذه الاثناء، تُحاكم شادن فقيه عسكرياً لاتصالٍ بقوى الأمن تسأل فيه عن شروط الخروج لشراء فوطٍ صحية، في ظل حظر التجوّل. التحقيق في جريمة المرفأ مجمّد، وعناصر قوى الأمن يهربون من الخدمة لضيق الحال، وشادن تُحاكم على اتصالٍ ساخر أجرته في مستهل الكورونا.

وفي هذه الاثناء، ... هل هناك ضرورة للإكمال؟ الكهرباء؟ الماء؟...


وها هو قوس النصر الجمركي يسجّل انتصاراً للإدارة الرشيدة الحكيمة، القبضة المتهالكة التي تريد أن توحي للعالم الوافد أنها حريصة ومتمكنة، وكأن المذكور أعلاه كله، الانهيار المدويّ، هو مجرد ديكور، واقع نظريّ منفصل عن أحداث اليوم.

في ذاك الطابور، خرج الناس عن «السلطة»، مع كامل المعرفة بأنها تحاصر كافة البوابات. لكن، يبدو أنّ هناك دائماً ابواباً تُخلع، داخل هذه البوابات. أبوابٌ تُخلع لأنها تنتصب بلا أي جدوى، فقط لتعيق، لتغدق في الفوضى، لتجسّد الوقاحة، كأي وجه آخر من وجوه هذه السلطة. وبمجرد الإعتناق الجماعي للحركة الرمزية المتمردة، اتضح أن الشعب يمكن أن يسحب «الشرعية» من السلطة، حتى ولو عجز عن مواجهة مافياتها.

الإخضاع لا يعني القبول. واستمرارهم في مواقع السلطة لا يعني امتلاكهم شرعية الدولة. وقد بدا ذلك جلياً ليل أمس، في مطار بيروت الدولي.

رسالةٌ لكاتب الرسائل ولمن بقيَ هنا

 لكنّ الحقّ أنّه ذهب بالفعل، من دون أن أبقى أنا مع الأهل. بقيتُ وحدي.تشكو أمّي مراراً أنّها تشتاق إلَيّ أكثر ممّا تشتاق لأخي المُهاجر. يفوتها أنّه مُغامرٌ شقيّ، وأنّي انطوائيٌّ كارهٌ للاجتماعيّات

ميكانيزمات التأقلم: انتحارنا البطيء

سيقنعونكَ أيضاً أنّ كل هذه العادات السيّئة أفضل من عاداتٍ أسوأ منها. ولا بأس إن أكثرتَ من السكَّريّات، فهي أفضل من التدخين. ولا بأس إن أدمنت التدخين، فهو أفضل من الكحول. والكحول، مع أنّ كثيرَها مُضرّ، فهي أفضل من الحشيش، أو العكس (؟)