رياض سلامة أو الاقتصاد المُمَنتَج

في الوقت الذي كانت تشتد فيه الأزمة الاقتصادية وينخفض تصنيف دين لبنان من قبل وكالات التصنيف العالمية، كان رياض سلامة يضيف إلى رصيده جائزة أخرى. ففي آب 2019، حصل سلامة على تصنيف «A» من بين 94 حاكماً لمصارف مركزية في العالم، وذلك للسنة الثانية على التوالي. فقد اعتدنا أنّه كلما اشتدّت الأزمات، وتفادى الحاكم الانهيار المالي بأبهظ الأثمان، كثرت جوائزه. فماذا عن الأزمة الراهنة؟ وهل من جائزة تتحضّر؟


قبل يومين، عنونت السي. أن.أن. أنّ انهيار الاقتصاد اللبناني بات مسافةَ أيام، بحسب سلامة الذي ما لبث أن نفى ذلك عبر رويترز، موضحاً أنّ ما قاله هو أن لبنان بحاجة إلى حلّ في غضون أيام لتفادي الانهيار في المستقبل. فكيف لنا أن نفسّر هذا التناقض؟
فلنعُد إلى يوم 16 أكتوبر 2019، أي إلى يوم ما قبل الثورة.

آنذاك، ولأوّل مرة منذ أواخر التسعينات، كانت تقديرات النموّ سلبيةً، وبدا النموذج الاقتصادي الريعي وقد فقدَ قدرته أخيراً على استقطاب الدولارات، ممّا جعل الوضع المالي والنقدي في غرفة الإنعاش. كانت أمام المصرف المركزي سيناريوات عدّة، لكنّها كانت كلّها بحاجة لعناية إلهية، وتفتقد إلى رؤية واضحة للخروج من الأزمة، وهذا ما لم تُلقِ الضوء عليه الجوائز المتعاقبة للحاكم.

قام السيناريو الذي تمسّك به البنك المركزي
على اتّباع سياسة استباقية لتفادي الشحّ في الدولار. فمن خلال الهندسة المالية الباهطة الثمن، وسياسات القيود على التحويل وسحب الودائع، حاول المصرف المركزي تجميد ودائع البنوك بالدولار لديه وتغذية احتياطه بالدولار، للحفاظ على النموذج الذي يضمن مصالح السلطة، والبنوك، وإرث الحاكمية. وقد اعتاد الناس ما قبل الثورة على شحّ الدولار إلى درجة كبيرة. لكن، مع تفاقم الأزمة، وإضراب المستوردين للمشتقات النفطية، اضطرّ المصرف المركزي لمعالجة أزمة الشح بالدولار عبر مزيج من القيود وتأمين الدولارات بسعر الصرف المعتمد لمحتكري السلع المستوردة الأساسية فقط، وذلك لعدم استنزاف احتياطه. كان الحاكم يعي تماماً أنّ هذه السياسات غير كافية لاحتواء الأزمة. لكنّه، كما باقي أقطاب السلطة، كان يعوّل على أموال «سيدر» كخلطة سحرية لإعادة تحفيز النمو وإدخال الدولارات لإنقاذ النموذج الاقتصادي. وإضافةً إلى انتظار «سيدر»، كانت هناك دائماً
الرؤية التي اعتمد عليها النموذج الاقتصادي اللبناني، أي انتظار وديعة كبيرة من الدول التي اعتدنا عليها في مؤتمرات باريس، كالسعودية.

أما السيناريوات الأخرى التي كانت متداولة،
فتتضمّن خفض سعر الصرف، وإن بشكل منظّم وبطريقة ممنهجة لا تطيح الثقة بالقطاع المصرفي وتحتوي غضب الشارع الناتج عن الإفقار الحتميّ للمواطن، خصوصاً وأنّ السلطة وشركاءها في القطاع المصرفي، كانت تخاف حرباً أهلية ناتجة عن انهيار العملة، تطيح بالنظام وبالنموذج الاقتصادي القائم.


ما قبل الثورة ليس كما بعدها.
فالثورة أطاحت بأي سيناريو يحاول أن يفرض الخسائر على المواطن على حساب مصالح السلطة وطبقتها النخبوية. كما رفضت الثورة تحمُّل مسؤولية أيّ تهديد بالإنهيار، كاشفةً أنّ التهديد بالانهيار ما هو إلا محاولة بائسة لتقويض الشارع للرجوع إلى السيناريوات الهشّة لما قبل الثورة.

من هنا يمكننا فهم التصاريح المتناقضة لحاكم مصرف لبنان. فهو للمرّة الأولى يبدو عاجزاً عن لعب دوره في ضخّ الثقة في القطاع المصرفي، وهو الدور الذي كان يجيده دائماً حتى عندما لا يجد معطيات وأرقاماً تسانده. أما إرباك الحاكم، فناتجٌ عن إدراكه بأنّ الإصلاحات المالية لم تعد كافية لتجنّب الانهيار.

لا يعني ذلك أنّ الإنهيار حتميّ، بل يعني أنّ السياسات الهشّة التي اتُّبعت سابقاً لم تعد كافية لتفادي الانهيار.
بمعنىً آخر، وقفت الثورة في وجه الجوائز التي تكافئ الهشاشة.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة