17 تشرين بعد عام ▪︎ طرابلس: مرثيّات المدينة السفليّة

كلّ شيء أتعلّمه أحوّله إلى خوف

الياس كانيتي، روائي ألماني

 

في مدينتنا نتقن الخوف. نشطب أنفسنا. بالشفر وبالحزن وبالكتمان. نتعلم كيف نحوّل أي شيء يقع على أيادينا الصغيرة وبين أرجلنا، ورغباتنا وقبلاتنا المسروقة، إلى قلق. وهو طاقتنا الوحيدة للتحمّل، نبدّده في جلوسنا على رصيف مقهى موسى أو كورنيش المينا، ممسكين بفناجين القهوة، أو «زوم الكلسات» الذي يكلّف 250 ليرة. لأن ستاربكس لـ«الأزوتلية»، ونحن أولاد الفقر والحرمان المطلق.

إلّا أنّه في لحظة 17 تشرين، كان أولاد المدينة يتعلمون كيف يحوّلون مخاوفهم الكثيرة إلى غضب. سُمّي الغضب ثورة. وهي تسمية مصغرة لحياة مدينة هي في الأصل متمرّدة. أناركية. حتى لو كان لبنان كله في كتابات نقاده ومنظريه، لم يرَ هذا التفصيل الذي يُعدّ أحد المضادات الحيوية لمقاومة العزل والتدمير الممنهج لمرافقها منذ إنطلاقة لبنان الكبير، وتعدد حكومات الدولة المركبة طائفياً، والتي أفقرت أثمن مدن الساحل السوري وأغناها، إرثاً وطاقات ومرافق.

لهذا، كان للمدينة مدينة أخرى سفلية. تنمو وتكبر وتخرج أطفالاً من البراءة الصافية. ربّما، رأينا في الثورة وجهًا مضيئًا في ساحتها، وفي الخلف كان هؤلاء الأولاد يخرجون من العتمة إلى الكاميرات وأضواء شاشات هواتف الآيفون التي لا يملكون منها، بل لديهم تلفونات النوكيا «أبو شحيطة» الذي يتسلون عبره بلعبة الحية. تلك الحية التي قالوا أنها تعيش في سرداب القلعة وتصل الى فم البحر. البحر نفسه الذي ابتلع أولاد تلك المدينة السفلية.

هؤلاء الأولاد خرجوا من بواطنها. من الحارات، التي لا يعرفها أحد: البحصة، زقاق الصنة، عقبتي الكوت والأحدب، حرز الجبنة، ستاركو، عقبة الحمراوي، زقاق الرمانة، من حارتي الدبابسة والعوينات، ضهر المغر وغيرها من الأماكن التي لا ترفع شعارًا عن العدالة الشعبية، لأنها تحاول تحقيقها كل يوم. بلا برامج تنمية أو إيتيكيت.

كان هناك مدينة تريد إغلاق السدود على المدينة السفلية كي لا يخرج أولادها بوجوههم المتورّدة من الألم، وأحزانهم المتفتقة، مثل زهور داخل صحراء. مدينة، يمسك أولاد طبقتيها البرجوازية والمتوسطة، معاول يرمون بها التراب والإسمنت على عيون الخارجين من تحت جلدها. كانوا يريدونهم أن يموتوا. لأنهم ببساطة ليسوا صورتها التي أرادوها. صورة العروس الزاهية، بالفيرني والسيكار والسيارات الجغوار والأركيلة الأصفهاني وصبحيات الصالونات لدى الحلاب و«ميزون دو كافيه». هذه المدينة السفلية التي حين يغتني أولادها يشترون سيارة بصندوق «هاني شاكر»، صادحًا بأحزانهم التي تشبه مرثيات أولاد الضاحية. وكم يتشابه هؤلاء الأولاد، حتى لو تعمدوا تفريقهم.

للمدينة، مدينة سفلية، ذات وجه سخيّ بالغضب والكره والحقد والمرارة، والبراءة الصافية.

كان سكان مدينتي (وهم ليسوا طرابلسيين فقط)، بناتًا وصبيانًا، عمالاً وكادحين وعاطلين عن العمل ونخبة وطلبة وموظفين، يحاكون مظلومياتهم التي أظهرتها الثورة أشكالاً، لم يرَ لبنان سوى كرنفاليتها. لهذا، وكي يهدوها شعارًا، أسموها عروسًا. والعروس خلف زفتها تخفي حزنًا مقيمًا وبكاء لا ينتهي، وفقدًا، نراه أحيانًا بدموعها النازلة بخفة. كانت المدينة خلف هذه المنصة تعدّ مرثية جديدة لها. مرثية الأمل. هذه المدينة لم تصمت، رغم خنقها. قتلها. سرقتها. إضعافها. محاصرتها، وهي تدفن الأمل، لم تصمت. وتخلق حتى من البحر، مرثية ولادة، كأنها في كل مرة تعيد بناء جلدها، مثل الحية التي تمد جسمها تحت المدينة، من القلعة الى البحر.

كانت المدينة في الخلف، وراء المنصة الراقصة والمشهد الزاهي تذوي، أو تتحول. كما تحول خوفها الى أسئلة يومية. أسئلة لم تكن غريبة عن أهلها. فمن ينام جائعًا ويستيقظ عند الثالثة فجرًا كي يعمل في بيروت من أجل يومية لا تتعدى العشرة آلاف، يدفع نصفها سيرفيسات، ويبقي على نصفها من شراء ربطتي خبز ونصف وقية جبنة وعلبة دخان سيدرز، لا يحتاج الى أيديولوجيات. هو ولد فيها. ولد بين القضايا والشعارات والآثام التي ارتكبوها بحقه وبحق مدينته ومستقبله. هو ولد هكذا خائفًا، نزعته المطلقة هي أن يتلقط السماء بفمه، بثورة أو من دونها. فاتحاً فمه ليأخذ حقّه.

في طرابلس، مدينة تحت المدينة، يولد أطفالها ثوّارًا. إن لم ينجحوا في الأمس، سينجحون يوماً ما.
تحت المدينة مدينة، ترثي الخوف والأمل وتدفنهما. وتحيي الغضب تحت جلدها مثل حيّة ستقلب المدينة رأساً على عقب.

عارف ياسين، الرجل الذي أتى من تحت

وصول جاد تابت من فرنسا «بيروت مدينتي» «الخيار المهني» «نقابتي للمهندسة والمهندس» فاز جاد تابت بفارق 21 صوتاً، 4079 صوتاً لجاد تابت مقابل 4058 لنجم واحداً فقط كان يعمل في شؤون النقابة اليومية، وهو عارف

لماذا اكتسحت «النقابة تنتفض»؟

أكبر ائتلاف انتخابي على مستوى الوطنشوارع الثورة إلى داخل المؤسساتلجنة المعاييرلجنة البرنامج الانتخابيلجنة التواصل والإعلاملجنة التشبيك والعلاقاتلجنة الماكينة الانتخابية