عارفين وعارفين: المتحرشين معنا ماشيين

صرخت النساء في التظاهرات أنّهنّ يعرفن هوية المتحرّشين المتجوّلين في «صفوفهنّ» رغبةً منهم في الحصول على بعض نقاط التقبّل، كونهم مؤيّدين لمطالب النساء وحراكاتهنّ. صرخنا في وجوههم رغبةً منّا بأن يتركونا وشأننا، ولكنّهم مشوا معنا بكلّ ثقة. وعليه، تركت المتضرّرات المساحات التّي يمكن أن تضعهنّ وجها لوجه مع هؤلاء، لا العكس. ومؤخّرًا، قامت ناشطة بسحب مشاركتها من مهرجان النسويات الدولي بشكل علنيّ بسبب استضافته «متحرّشاً ومبرِّرًا للتحرّش». لدى إعلامها الإدارة بقرارها، طُلب منها جلب المتضرّرات في مواجهة تتيح المنبر للطرفَيْن. وكالعادة، تركت هي المساحة وبقي هو.

ليس مقترح المواجهة مفاجئاً، في أدائيّته وطريقة تصويره للتحرّش كموضوع خلافيّ بين «طرفَيْن». إذ تُميَّع قضايا التحرّش بطريقة شبيهة بالـ«بوسوا بعض» الشهيرة والتي صالحنا بها أهالينا ونحن أطفال. كما يتسلّل خطاب أولويّات المرحلة والخير العامّ إلى المحاولات التنظيميّة في الثورة، عندما تجتمع مجموعات متباينة وتطالب بترك خلافاتها جانباً من أجل الحشد أو في سبيل وحدة متخيَّلة، فتطالبنا بنسيان تواريخنا الشخصية وأحقادنا النسوية. نحن اليوم راشدات وغير مضطرّات إلى أن نبوس العمّو، رغم جحافل الناس التي لا تزال تقبّل مؤخّرات المتحرّشين.


مثلما ترسم الصحف جرائم الاغتصاب بطرق ملتوية حسب مكانة المغتصِب، فتقول إنّ عاملاً سوريّاً اغتصب فتاة وهي في طريقها إلى الكنيسة كما تفعل كلّ أحد، أو أنّ أربعة شبّان لبنانيين مارسوا الجنس مع فتاة ذات سمعة سيئة فاتّهمتهم بالاغتصاب، يفاضل الناس الغارقون في «الأنجزة» بين متحرّش وآخر. يستولي الخطاب اليمينيّ المتطرّف على هذه الحوادث من أجل خدمة خطاب الكراهية ورهاب المهاجرين، وإثبات وُجود صلة بين الهجرة والتحرّش والاعتداءات الجنسيّة. أمّا لو كان المعتدي لبنانيّاً نافذاً، فتصبح النساء هنّ المفتريات عليه.

يحدث أمرٌ شبيه في الأطر الناشطة، إذ لدى المجتمع المدني مفاضلاته أيضاً. قد لا تكون تلك المفاضلات مبنيّةً على أسس المواطنة، لأنّ لغة المجتمع المدني منمّقة وحذرة وتخلو عادةً من أخطاء المبتدئين، ولكنّها مبنيّة قطعاً على أسسٍ احتراميّةٍ أخرى مبنيّة على الانتماء إلى نفس الزمرة من الأصحاب أو نفس المصالح ضمن نظام «الأنجزة». فحين يستمدّ البعض معاشاتهم من منظّمات غير حكوميّة يترأسها المتحرّشون مثلاً، وحين تكون تلك المؤسّسات مبنيةً على هرميّة رأس الأفعى (تسقط بسقوط قائدها)، يغرق بعض المجمّع الصناعي للحلفاء في حماية المتحرّش وخبزهم، تبادليّاً. فإذا كان للمتحرّش منصب نافذ في المجتمع المدني، لا يُساءل. وفي أحسن الأحوال، يواجهنا الصمت. بل يُدافَع عنه، ويجري التواطؤ معه.


المتحرّشون لا يمشون معنا في مسيراتنا النسوية وحسب، بل يذهبون أيضاً إلى المنابر للحديث عن صراعاتنا، يعترضوننا في الأماكن العامّة والافتراضيّة، يقطعون وصولنا إلى الموارد، ويلغوننا من الفضاء العام. كنساء وكويريّات/ين، تضيق المساحات التي بإمكاننا اللجوء إليها في حالات كهذه، حتّى يبدو المجال الافتراضي المكان الوحيد المفتوح والمتاح للتبليغ. غير أنّ انفتاحه يجعل عمليّة الاستحواذ على الخطاب سهلةً أيضاً بالنسبة لمن يجنّد المرتزقة، كما يتيح إمكانيّات استخدام التسمية لبرهنة تشرذم اليسار أو تخوين الثوّار أو إعادة توجيه محاولات المساءلة إلى أماكن بعيدة عن العدالة.
في ظلّ نظام لا يميّز ضدّ النساء والكويريات/ين وحسب، بل يميّز بينهم كذلك، ونظراً لانعدام آليّات المساءلة المجتمعيّة، تصبح التسمية أو الكشف بداية الطريق وليست غاية بحدّ ذاتها. يبقى علينا أن نخوض النقاشات التي لا تثمّن الحشد على حساب الحقّ، ولا تساوم على تواريخنا وغضبنا ولا تطالبنا بالتنازل عنها، ولا تشترط امتلاكنا الحلول أو الآليّات والكشف عن الذات لاستهلال عمليّة الفضح.