عن بابٍ فتحَتْه الانتفاضة، ولم ندخله

كان يُفتَرض لهذا المقال أن يتناول علاقة النفسيّ بالسياسيّ. كان يُفتَرض له أن يكون مقالاً نظرياً، أعرض فيه بعض مساهمات وِليام رايخ، أبرز روّاد الجيل الأول من الفرويدو-ماركسيّين، في نقد النظام وفَهم حركة الجماهير.

كان يُفتَرض أن أقتبس منه شيئاً مثل من غير المعقول أن يتدعّم النظام السياسي التسلّطي لثقافتنا بدون هذا النمط من السلوك الاجتماعي. أو مثلاً يجب درس الحياة الجنسية الضيّقة، البائسة، «اللاسياسية» زُعماً، في علاقتها بمشاكل المجتمع الاستبدادي. وليست موائد الغداء الدبلوماسية مجال السياسة، وإنّما الحياة اليومية مجالها.

وكنتُ لأعنوِن المقال «تسييس الطموح نحو السعادة»، بعد أن أُبرهن أن نضالنا من أجل حياةٍ سعيدة هو نضالٌ سياسيّ بالضرورة، في وجه رأسماليّةٍ سلبت منّا سعادتنا. أو مثلاً، كنت لأعنونه «تبئيس الأكثرية»، حيث أُبرهن أن هذا النظام يعتاش على تبئيسنا، ويعيد إنتاج نفسه عبر تبئيس الأكثرية، ومن هناك يجعل فئاتٍ واسعة تلتمّ حوله وتسلّم أمرها للواقع، وتصبر وتبصر درءاً للمؤامرة أو بحجّة مكافأةٍ ستنالها في حياة الما فَوق، عند أنهر اللبن والعسل.


ثمّ أدركت، تماشياً مع تلك النظرية، ألّا ضرورة لأي شرح؛ نظرة إلى الواقع من حولنا تكفي. إنّما السياسة، بحسب رايخ، الحياة اليومية مجالها. وهنا يصبح الأمر بديهياً: كيف يحرص النظام على إلغاء السياسة لدى الأكثرية؟ بإلغاء حياتهم اليومية.

والمقصود بـ«إلغاء السياسة» هو الإقصاء عن الشأن العام، احتكار القضايا، رسم حدود الاعتراض سلفاً، تغييب النقد، تسطيح الوعي، الترويج لأخلاقيات الكبت، تقديس العائلة الأبوية بشكلها الحالي، بالمختصر: السيطرة على البنية النفسية للجماهير. وهو ما تعمل الطبقة الحاكمة بكدٍّ للتمكّن منه، وهو عمود بروباغندا أحزاب السلطة، وهو ما فتحت 17 تشرين مدخلاً لخلخلته.

ملاحظة جانبية: طبعاً بقيَ هذا المدخل بدون زوّار. لمَ؟ لِكَون الجو المعارض قد تكبّر على حقيقة أنّ السياسة مجالها الحياة اليومية. تكبّروا، ببساطة، على الميدان النفسي والاجتماعي وسيكولوجيا الجماهير، معتبرين أنّ السياسة ننتجها عبر لقاءاتٍ موسّعة حول طاولاتٍ مستديرة، أو عبر نقد الاقتصاد فحسب. فكان لكل القضايا الأخرى موقع الهامش (قضايا قوانين الأحوال الشخصية، وقضية الحريّات، والتواصل مع الفئات الأكثر تهميشاً والعمّال الأجانب ومجتمعات الميم والنسويات، والمسألة الهوياتيّة الكامنة بين شقوق الطبقات، والمقاربة المتعلّقة عموماً بالبنية النفسية للجماهير).

فكانت انتفاضة منقوصة، وكان النظام ينجح، مع مضيّ الوقت، بإعادة ترتيب ما تخلخل إبّان اللحظات الثورية من 17 تشرين. ما كان منقوصاً هو هذا الرابط بين النفسي والسياسي، بين الفردي والجماعي، بين اختلاف مستويات الصراع وعلاقات بعضها ببعض. المهم… هذا نقاشٌ آخر.

أمّا المقصود بـ«إلغاء الحياة اليومية»، فهو أن تصبح الحياة اليومية للجماهير مجرّد رحلة بحثٍ عن طعام، وأن يسير المرء مع خلايا في ذهنه تحذّره أنّه قد يموت في أي لحظة جرّاء انفجار مرفأٍ ما أو رصاصةٍ طائشة أو تضاربٍ على غالون زيت مدعوم، وهو أن يصبح تعبير «عايش من قلّة الموت» حقيقة، وهو أن يُسلب الأطفال من ملاعبهم، ويُسلب الشباب من مساكنهم الخاصّة، ويُسلب العمّال من معاشٍ صمّدوه بالقصبة لعقود، وتُسلب النساء من حريّتهنّ بأجسادهنّ…

هكذا، كما اعتدنا أن يحصل في واقعنا المعيش، تُلغى الحياة اليومية.

عندئذٍ، يصبح من الجدير إدارة النقاش من زاوية أخرى: ما السياسة التي يمكن أن تنتجها جماعةٌ تنهار؟ لمَ تستشرس السلطة عند المسّ بالأحوال الشخصية؟ ولمَ أبدت اهتماماً رهيباً، فيما سبق، بتغييب كل ما يتعلّق بالمسألة النفسية والترفيه؟ ولمَ طبّعنا مع هذا الاعتداء؟ لمَ الداتا المتعلّقة بالصحّة النفسية معدومة؟ لمَ تنفق وزارة الصحّة 2.5% فقط من ميزانيتها حول التوعية تجاه الصحّة النفسية؟
وبالمقابل، ليش حرش بيروت بعده مسكّر؟ ولمَ أوقفوا الترامواي؟ لمَ أغلقوا ساحة النجمة؟ لمَ وَضعوا رايةً وأحواض زهور على دوّار الكفاءات عوضاً عن المقاعد؟ ولمَ طرابلس بدون ملعب فوتبول؟ ولمَ أصبحت السعادة بعيدة المنال إلى هذا الحدّ في لبنان؟

الجواب على هذا التساؤلات سوف يفسّر الكثير.

مــــــلــــــف
قلــق السيـاســة

يعاين ملفّ «قلق السياسة» تداخل عالم السياسة بعالم النفس، من خلال عدد من النصوص، ترسم معالم قلق جماعيّ.

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج
الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد
خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل
الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون
هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور
ليس للصحراء هنا بداية ولا نهاية، فاطمة فؤاد
تناقضات الشخصية المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد
أبي طريح فراش الموت: تحليل نفسي- نظري للطائفيّة، ناديا بو علي
رأس مال قلق، غالية السعداوي
عن بابٍ فتحتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

تم نشر الملف في 10 نيسان 2021.


معالِجتي النفسيّة وجسر الرينغ

حتى بدأتُ أشعر أن معالجتي النفسية تغار من «الثورة». فصرتُ أخشى التكلّم عما يحدث معي في شوارع بيروت وعنفها الليلي، وكأنّ الثورة سرّ عليّ التستّر عليه كي لا أجرح مشاعرها. بدأ الصمت يسود بيننا، فقرّرتْ هي أن تأخد زمام الأمور وأن تخفف عدد الجلسات، كوني وجدت في هذا الحدث منفذًا لغضب كنت أجهل وجوده

جدرانٌ تشفي

فأضفنا إحصاء حالات الكورونا والوفيات إلى إحصاء الأدوية المقطوعة والقطاعات المهدّدة بالزوال، وإحصاء الأصدقاء والزملاء المهاجرين، وإحصاء انخفاض سعر صرف الليرة، وإحصاء عمليات السرقة الممنهجة لأموالنا