كيف تخرج الثورة من الحجر الصحّي؟

لم تنتظر الأزمة الاقتصادية انتهاء الإجراءات الصحية لتنفجر من جديد مع الانهيار السريع للعملة الوطنية. ومع تفاقم الوضع الاجتماعي، سقط الوفاق الكاذب حول العدوّ البيولوجي لتعود الانقسامات الطبقية والسياسية إلى الواجهة بأشكالٍ مختلفة، من تظاهرات خجولة إلى أعمال عنف متنقّلة وتصاريح ناريّة حول مصير حاكم مصرف لبنان.

جاءت التطوّرات الأخيرة والسريعة لتفاجئ ثورةً محتضرة جرّاء حجرها الصحي، تبحث عن شكل جديد تستعيد معه بعضًا من نشاطها. بيد أن حالتَيْ الانهيار الاقتصادي والاحتدام السياسي تشكّلان تحدّيًا لثورة اعتادت على وضوح الأيام الأولى، حيث سادت الشعارات الجامعة والأشكال السلمية للاعتراض. وهو تحدٍّ قد تكون مواجهته أصعب على حركة الاعتراض من الوباء وإجراءاته الصحية، كونه يطال صلب هذا الحراك ومنطقه.

يمكن رصد هذا التحدّي الذي تواجهه الثورة من خلال السجالات التي طالت طبيعة الحركة الأخيرة، أي استعمال العنف ضد المصارف والصراع حول مسؤولية رياض سلامة عن انهيار سعر الصرف.


عادت الاحتجاجات إلى الشارع بحلّة جديدة، أكثر عنفًا من «الفولكلور» الذي اعتدنا عليه في الأشهر الأولى للثورة. قُطعت طرقات، وأحرِقت مصارف، واقتُحِمت بعض الأماكن التجارية، في إشارة واضحة إلى أنّ «العنف» بات عنوان المرحلة المقبلة، مرحلة الاحتجاج في ظلّ الانهيار.

وكما اعتدنا مع كلّ احتجاج عنفيّ، صعدت أصوات لتنبّه من مخاطر العنف، خاصّةً في وجه المتحمّسين لطبيعته الثورية. ويمكن تلخيص هذا التنبيه بمقولتَيْن تبدوان متناقضتين: العنف كمدخل لحالة فلتان عامّة تنتهي بحرب أهليّة، والعنف كمدخل لعملية منظّمة تنتهي بسيطرة حزب الله على البلاد.

ولكن إذا وضعنا جانبًا بعض الثوريّين المتحمّسين للعنف، يبدو أنّ هذا السجال يدور حول ذاته. فمهما حاولنا تضخيم عمليّات العنف التي تدور في بعض الاحتجاجات، يبقى منسوب العنف فيها محدودًا مقارنةً بـ«العنف البنيوي» الذي تمارسه المصارف والسلطة السياسية من ورائها. فقبل محاسبة العنف أو مساءلته، مهما كانت دوافعه، يجب التوقّف عند هذا «العنف البنيوي» الهائل الذي دمرّ إمكانيّة الحياة لأكثرية الشعب.

ففي هذا المناخ من النهب المعمّم لحياة الناس، علينا إخراج العنف من سجال المع والضدّ، والتأقلم مع واقع ستكون إحدى مفرداته الأساسية من الآن فصاعدًا هي العنف، أيّا يكن موقفنا منه.


بيد أن المشكلة بالنسبة لكثيرين ليست في العنف، بل في وجود طرف يُتقن استعمال هذه المفردات أكثر من غيره، أي حزب الله. وهذا الخوف من الاستغلال السياسي بات يؤثّر على موقف البعض من مسألة الهجوم على رياض سلامة.

فبعد الدفاع الأعوج لبقايا 14 آذار عن حاكمٍ دافع عن النظام السوري أكثر ممّا دافع عن قضاياهم السياديّة، خرج البعض بمعادلة توفيقيّة تقوم على سياسة الواو، أي الهجوم على سلامة و دياب، والبحث عن سياسة اقتصادية ومالية بديلة عوضًا عن تضييع الوقت بمحاسبة حاكمٍ من هنا وموظّف من هناك.

رغم النية السياسية بعدم الانجرار إلى تأييد طرف في وجه طرف آخر، يبدو هذا المخرج هروبًا من السياسة، وخضوعًا لنوع من الطهرانية السياسية المعاكسة، التي لا تريد أن تتشارك خصمَها مع أحد.

فمع زوال وضوح شعار كلّن يعني كلّن وبروز الخلافات السياسية التي تربط أطراف الطبقة السياسية ببعضها بعضًا، يبدو المغزى من موقفٍ كهذا هو توحيد السلطة بدل من تشجيع انقساماتها.


ندخل مع انتهاء مهلة الحجر الصحي إلى مرحلة جديدة من الاحتجاجات، سيسودها عنف وانقسامات سياسية. وهذه هي الخريطة الجديدة التي ينبغي على الثورة التعاطي معها، بعيدًا من الأجوبة المسبقة الرافضة لأيّ عنف أو أيّ تشويش سياسي على شعار كلّن يعني كلّن.

بكلام أوضح:

• العنف عنوان الاحتجاج في ظلّ انهيار مكوّنات الحياة، وإن لم يكن العنوان الوحيد. سياسة المع والضدّ لن تنفع في فهم طبيعة العنف الحالية.

• حزب الله هو اللاعب الأساسي في المعادلة اللبنانية، وتجاهل هذا الواقع هو غباء سياسيّ. لكنّ تحويل الحزب إلى رادع لأيّ حركة سياسية هو أسرع طريق للخروج من السياسة إلى حالة من الارتياب المعمّمة.

الطبقة السياسية مقسومة وستزداد صراعاتها، ومواكبة هذه الصراعات بشعار كلّن يعني كلّن هو نوع من الحجر الصحّي السياسي.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

جدرانٌ تشفي

فأضفنا إحصاء حالات الكورونا والوفيات إلى إحصاء الأدوية المقطوعة والقطاعات المهدّدة بالزوال، وإحصاء الأصدقاء والزملاء المهاجرين، وإحصاء انخفاض سعر صرف الليرة، وإحصاء عمليات السرقة الممنهجة لأموالنا