لا الثورة أنثى ولا المرأة أنثى

في ساحات الثورة، سألني بعض الأطفال باعة قنينات المياه، عمّا إذا كان زبائنهم رجالاً أم نساء. وشْوَشَني رياض مشيرًا إلى صديق لي: «عمّو؟ خالتو؟»، فأجبتُه واستجاب لي دون أسئلة إضافية. ثمّ أشار إلى شخص آخر، وكرّر السؤال. فأجبته «عَ ذوقك»، لأنّه لم يكن لصديقـ/تـ/ي تفضيل بين الاثنين. لم يحتجّ الطفل ولم يستغرب. وكانت الساحات تسعنا جميعًا خارج أطر الحتميّة البيولوجيّة وثنائية الجندر.
خالتو اشتري منّي قنينة الله يخليلك حبيبك
تشير الخالتو إلى امرأة أخرى، وتقول هذه حبيبتي.
طب اللّه يخليلك حبيبتك.

هكذا ببساطة، توفّرت لنا مساحات كويريّة، دون جهد، ثمّ، بقدرة قادر، تحوّلنا إلى كيتش الثورة الأنثى، ورمزيّتها المتّصلة بتأنيث القيم المجرّدة بعيدة المنال، كأنّ الثورة استحقاق حصريّ للشعراء.


على أبواب يوم المرأة العالميّ، أتذكّر أطفال الساحات ومرونة تعاملهم مع الجندر والجنسانية. وأغبطهم عليها. نحن على اتّفاق أنّ يوم «المرأة» العالمي ليس متعلّقا بـ«أنثى» مجرّدة، تمثّل في فرادتها مجتمعًا بأكمله على أساس اشتراكه بفئة بيولوجيّة. نحن على اتّفاق أنّنا نساء مختلفات، جميلات وغير جميلات، ولا يسعدنا أن نستخدَم كتجميل وتسطيح لمرحلة ثورية. فلا الثائرات هنّ الجميلات ولا الكادحات ولا الريفيات، حصرًا.

لسنَ النساء اللواتي انطبقت عليهنّ معايير الجمال ولا التوقّعات المسندة إليهنّ من العطاء الأنثوي أو الكدح العاطفي والعمل الرعائي. لسنَ النساء. نقطة.

ولكنّنا لسنا بجذريّة المفاهيم التّي قدّمها الشارع لنا منذ أوائل الثورة، ولا مرونتها. فإذا كنّا نثور على دولة تستخدم يومياً الإمكانيات الإنجابيّة وعدمها لمن تصنّفهنّ كنساء في تحقيق التوازن الطائفي ونظام المحاصصات وترسيخ العنصريّة من خلال السياسات المتعلّقة بالزواج والطلاق والحضانة، بل والانتخاب والانتقال من سجلّ نفوس رجل إلى رجل آخر في ظلّ مؤسسة الزواج النمطي الغيريّ، فإنّ خلخلة النظام تعتمد على الاعتراف بالتحدّي المهول الذّي توجّهه رفيقاتنا في النضال، من عابرات وعابرين، إلى أنظمة السيطرة والرقابة المبنيّة على التصنيف البيولوجي.

تتحكّم أجهزة الدولة في ديمغرافيّة البلد بتفعيل سياسات إنجابيّة وحيويّة تقرّر أيّ شخص يحقّ له التناسل: ممتثل/ة جندريّا؟ متزوّج/ة؟ مواطن/ة؟ من أيّ عرق؟ من أيّ طائفة؟ من أيّ طبقة؟ من موالاة لأيّ زعيم؟ وهذا ما يسمّى بالمواطنة الجنسيّة.

بغضّ النظر إن أردنا أن نصير أولياء لأطفال أم لا، هل تسمح لنا الدولة بالأمومة والأبوّة؟ إن كنّا لاجئات، مهاجرات، نساء ملوّنات، عاملات منازل مهاجرات، عاملات جنس، عزباوات، سحاقيّات، عابرات، وعابرين؟ أم هل أجسادنا ملك للنظام، وسنعيدها للنظام بتحديد مساحات نضالنا النسوي في النسائي، في النساء اللواتي يشبهنَنا أكثر، اللواتي حُمّلت أجسادهنّ عبء «التوازن الطائفي»، دون الأخريات والآخرين الواقعات/ين تحت رقابة المواطنة الجنسيّة، مثلنا، وأكثر.

ولأنّ لبنان، في تفعيله للنظام التناسبي المعتمد على حجم الأحزاب الطائفيّة، يقيّد أجسادنا وجنسانيّاتنا، لا يستوجب علينا المطالبة بالجنسية والحضانة فقط. نحن نريدهما، ونريد أيضا ألا تُعتقَل العابرات بحجّة عمل الجنس أو انتحال شخصيّة.

نريد ألا يواجهن العقبات المزمنة على كلّ حاجز وفي كلّ مؤسسة وعلى الشارع وفي غرفة النوم.

نريد ألّا يضطررْنَ إلى الإخصاء لتعترف الدولة بهوياتهنّ.

نريد ألا تُحرَم العاملات المهاجرات واللاجئات من حقوقهنّ الإنجابية والجنسيّة.

نريد أن تكون ظروف العيش محمولةً لنا، بتنوّعنا، وألّا تحتضن أجساد الرجال المواطنين من الطبقات المرفّهة فقط.

فقد صمّمت لهم المؤسسات كما صمّمت لهم الشوارع. ونحن غير قادرات على نسيان أنّ الدولة طبّعت في ما طبّعته مفهوم كينونة «المرأة»، وأنّ رسْكَلَتنا لهذا المفهوم المحدود من خلال تأنيث الثورة ومطالبها، يقلّص مساحات التحرّر الجندريّ، ولا يوازي كويريّة الثورة.