لبنان المستعمَر

انفجرت المدينة. والدرس الوحيد لنا جميعاً كنّا نعرفه جيداً. هذه الطبقة السياسية قاتلة. قلعُها من أساسها هو أملنا الوحيد في الحياة.

لم يكن لبنان يوماً بلداً أنتمي إليه. ربّاني البلد منذ الصغر ألا أتوقّع منه غير الكوارث والإجرام من قبل المسؤولين وأصحاب القرار فيه. عندما قرّرتُ العودة إلى بيروت من المهجر عام 2017 كنت أحلم بقدرتنا الجماعية على تخطّي السياسيين والمساهمة في خلق مجتمع موازٍ يعزل السياسيين عن دائرة السيطرة على حياتنا. كم كان حلمي ساذجاً. الكوارث في لبنان لا تنضب. العنف الذي تمارسه الدولة وأركانها في المجتمع على الناس، هو عنف يوميّ.

علّمتني ثورتنا أنّ الطائفية في لبنان في عمقها ليست سوى آلة لاحتكار الثروات وسرقة الناس وخصخصة السياسة. تعلّمت أن لبنان ليس لنا لأنّ هناك من احتلّه، كما احتلّت وسرقت البيوت في زمن الحرب ميليشيات الأحزاب التي لا تزال تحكمنا. لبنان مستعمَر من قبل الطبقة الحاكمة وكراكوزاتها. نحن في حال استعمار لا يختلف بشيء عن الاستعمار الصهيوني إلا بالنطق. لا لغة مشتركة بيننا نحن الناس وأولئك القوم. هم يرطنون بلا معنى كل يوم على وسائل إعلام متواطئة وعميلة لاستعمارهم المحلي.

نحن قابعون تحت الاحتلال دون أن ندري، ونسأل حتى هذه اللحظة عن الدولة «وينيي». لا دولة هنا، إلا دولة احتلال، لا حرية هنا ولا حياة كريمة لنا إلا للمحتل وأبنائه وأزلامه. يقتلوننا كما قتل بشار الأسد الشعب السوري. يريدوننا منكوبين ليستسهلوا مصّ دمائنا. يريدوننا فقراء ليُحكموا سيطرتهم علينا بأسعار رخيصة. كنّا نعتقد أننا قادرون على تخطّيهم لتسيير أمور حياتنا. كنّا نعتقد أننا قادرون على تقرير مصائرنا الشخصية بأنفسنا:
لا كهرباء… في موتور.
لا مياه شرب… نشتري غالونات.
البحر مسروق في بيروت والساحل… معليش عندنا البترون وصور بعدهن ببلاش.
لا عمل… منعمل واسطة.
لا صحّة… منشرب ميرميّة وغيرها وخلطات الأعشاب.

كنا نعتقد أننا نحتال عليهم للاستمرار في العيش، وهذا ما خسرناه: خسرنا قدرتنا على الحيلة. لا حيلة لنا بعد اليوم. فلنواجههم ونقلع عيونهم بأيدينا.

كانت الثورة درسنا الأبلغ في الوعي السياسي، ومَن ينظر إليها بميزان الربح والخسارة لم يعِ بعد أهمية اندلاعها. فهي التي وضّحت لنا طبيعة هذا النظام الاستعمارية، وهي التي سمحت لنا بتبيان حقوقنا السياسية وقيمنا الجماعية لأول مرة بعد الحرب الأهلية. هي الثورة التي سمحت لنا جميعاً بمكاشفة بعضنا بعضاً عن مآسينا. هي الثورة التي ردّت لنا أمام أولادنا وأهالينا قسطاً من كرامتنا. لم تندحر الثورة، فمبدأ الربح والخسارة لا ينطبق عليها. الثورة وظيفتها في مكان آخر، وهذه الوظيفة ما زالت قائمة حتى بعد خروج الناس من الشارع. هذه الوظيفة لم تنتهِ حتى بعدما هرب جزء منا إلى الخارج بحثاً عن قوت لعائلاتنا التي تركناها في لبنان.

وها هم اليوم يفجرّون العاصمة ومرفأها. ها هم يدمّرون حياتنا إلى غير رجعة. يقتلوننا ويقتلون المدينة، ولم يصابوا بأيّة شظيّة من دمارنا. متحصّنون هم. ونحن عراة وعُزّل. هم يصادرون أصواتنا في «تمثيلياتهم» في المحافل الدولية، ونحن ننتفض عليهم وعلى إجرامهم.

نحن لسنا طائر فينيق ينتظر النهوض من الرماد، يا بغل، نحن ثور مجروح وسننتقم.

مهلة ماكرون ومعضلاته

وجد بعض الوقت لكي يجمع سياسيّي لبنان سيعود ماكرون في الأوّل من أيلول لمتابعة التقدّم بالفرض فشل الثورة بتكوين جسم يرقى لكي يخاطبه رئيس دولة أجنبية يكفي أن نعود لموقف شيراك بعد اغتيال الحريري

إعلان الهزيمة

شريط صور الحرب الأهلية إيّاه يعود إلى الذاكرة فوراً كيف سننهض هذه المرّة؟ هل لدينا القدرة على النهوض أصلاً؟ لا أستطيع الصراخ ولا رغبة لديّ في تحديد المسؤوليات لكننا لم نسلَم أيضاً من كلّ ما حصل وما سيحصل