نموذج إقتصادي يحتضر، ونموذج لم يولد بعد

الأزمة تتكوّن بدقّة، عند واقعة أنّ القديم يحتضر، وأنّ الجديد لم يولد بعد

مفهوم أنطونيو غرامشي للأزمة

أصبح من المسائل المسلّم بها عجز النموذج الإقتصادي اللبناني القائم منذ نهاية الحرب الأهليّة عن الإستمرار وفقًا للآليّات التي سار بها طوال الحقبة الماضية:

  • المصارف غير قادرة على استجلاب التحويلات الخارجيّة، لا سيّما في غياب أي رؤية لمعالجة حجم الخسائر المتراكمة في النظام المالي.
    مصرف لبنان غير قادر على ضبط سعر الصرف الفعلي في السوق، وهو لا يملك الأدوات المناسبة لذلك في ظل الإنهيار المالي.
  • الدولة باتت بحكم المفلسة، وبذلك لم تعد تستطيع تمويل الإنفاق العام بالدين، أو استعمال سندات الدين بالعملة الأجنبيّة.
  • عملياً، سقطت أبرز الأدوات الماليّة لهذا النموذج: النظام المصرفي المكمّل لمنظومة الريع، نظام سعر الصرف الثابت، وقدرة الدولة على الاستدانة.

لكنّ خسارة النموذج لأدواته، لم تعنِ سقوطه ولا إجتثاثه، على عكس ما توقّع كثيرون:

  • النظام المصرفي، وإن بات بحكم المفلس، مستمرّ بالعمل وفقًا لمفهوم «المصارف الزومبي». وهي عبارة انتشرت منذ ثمانينيّات القرن الماضي للتعبير عن المصارف المتعثّرة بحكم تورّطها بتوظيفات فاشلة لا يمكن تسييلها، لكنّها مستمرّة بالعمل بفضل الغطاء الرسمي العلني أو الضمني. هي مصارف زومبي كونها ليست قيد الحياة فعلاً، لكنّها تعمل كجثّة متحرّكة.
  • نظام سعر الصرف الثابت الذي انهار بعد انفلات سعر الصرف في السوق السوداء، لم يُستبدَل بآليات تضمن تحرّك سعر الصرف وفقًا لقواعد محدّدة، بل جرى استبداله بنظام أمر واقع تتعدّد فيه أسعار الصرف وتختلف فيه قيمة السيولة المصرفيّة والنقديّة.
  • ما زالت أزمة دَين الدولة عالقة بينها وبين دائنيها، المحليّين والأجانب، بانتظار استئناف المفاوضات مع الدائنين بعد إقرار الدولة لخطّةٍ ماليّةٍ ما، يمكن التفاهم معهم على أساسها.

باختصار، ما زالت أدوات النموذج الماليّة ماثلة أمامنا، وإن كانت اليوم أقرب إلى أشلاء ميتة تنتظر إعادة إحيائها، أو استبدالها بأدوات مختلفة.

أمّا الدولة نفسها، والتي تمثّل بسياساتها الإقتصاديّة وفساد إدارتها العامة الجزء الآخر المكمّل لهذا النموذج، فما زالت على حالها: لا يوجد رؤية بديلة للمنظومة الإقتصاديّة القائمة، كما لا يوجد جهد فعلي لتغيير أداء الإدارة العامّة ومستوى الفساد فيها. ولعلّ سقوط إجراءات إصلاحيّة بديلة، كالتشكيلات القضائيّة وتعيين الهيئات الناظمة وإقرار خطّة كهرباء ذات مصداقيّة مجرّد دلالة على تجذّر الفساد في هذه الدولة.

إذا كان النموذج الاقتصادي قد أصبح بحكم المشلول وغير القادر على العمل وفقًا لآلياته المعروفة، فما الذي يمنع اجتثاثه إذًا؟

في الواقع، يمكن القول أن العقبة الأخيرة تكمن في النظام السياسي نفسه، الذي بات مفروزًا اليوم بين جناحين:

  • ثمّة من يرفض اليوم أن يدفع النظام المالي وكبار النافذين أي كلفة للتصحيح المالي، وإن كان ذلك في سبيل إعادة إنعاش المنظومة نفسها التي يستفيد منها هؤلاء النافذون. تتجلّى قوّة هذا الجناح بوضوح في المجلس النيابي تحديدًا، من خلال اللوبي الحليف للمصارف العابر للكتل النيابية، والذي تمكّن سابقًا من إسقاط أو شلّ جميع الإجراءات «الإصلاحيّة» التي طلبها صندوق النقد قبل التدخّل لإنعاش هذه المنظومة. من التدقيق الجنائي إلى خطة الحكومة الإصلاحيّة، وصولاً إلى مشروع قانون الكابيتال كونترول، كلّها أمور سقطت أمام تعنّت هذا اللوبي وقوّته داخل المجلس.
  • ثمّة من يرفض المبادرة إلى أي تصحيح جذري في النموذج نفسه، لكنّه يراهن على بعض الإصلاحات الموضعيّة التي يمكن أن تدفع بعض الجهات الأجنبيّة، ومنها صندوق النقد، إلى التدخّل وضخّ السيولة الكفيلة بإنعاش هذا النموذج. سيؤدّي هذا النوع من الإصلاحات بالتأكيد إلى تحميل المصارف وبعض النافذين فيها كلفةً وازنة من كلفة التصحيح، لكنّه لن يؤدّي إلى تغيير في طبيعة المستفيدين من النظام الاقتصادي على المدى البعيد. ولعلّ أبرز مثال على هذا الجناح في النظام السياسي هو حسّان دياب نفسه، الذي راهن عليه حزب الله وبعض أجنحة التيار الوطني الحر للقيام بهذا الأمر، ربّما لضمان عدم سقوط هيكل النظام بأسره على الحزب والعهد.

بين الجناحين، لا يوجد من يحمل أولويّة البحث عن تغيير جذري في النموذج نفسه. وذلك يعود حكمًا إلى حجم الترابط الكبير بين مصالح أقطاب الحكم والمصالح الموجودة داخل هذا النموذج. فـالبحث في نموذج بديل، يستدعي حكمًا البحث عن دور مختلف للمصارف نفسها في الاقتصاد الوطني، ودور مختلف لسياسات الدولة الاقتصاديّة وطريقة عمل الإدارة العامّة، وسياسات نقديّة مختلفة أيضًا، وكل ذلك لا ينسجم طبعًا مع أولويات الأطراف المسيطرة في النظام السياسي اللبناني.

باختصار، يستدعي البحث عن نموذج اقتصادي جديد واجتثاث النموذج السابق الذهاب نحو اجتثاث النظام السياسي أوّلًا، بكل توازناته والأقطاب المسيطرة فيه. عندها فقط، يمكن البحث في الطريق الأنسب للـخلاص جذريًّا من الانهيار المالي القائم.

الـ«ليبانيز إكويليبريوم» للبطالة والتهجير

يوميّات الانهيارتهجيراً - وإمّا بقاءً بين العمل أو البطالةالجورة المُسمّاة لبنان«ليبانيز إكويليبريوم»رايح كفّي ماسترز برّاالجحيم

التباسات ميقاتي وخطورته

الصفقات التجاريّة والاستثماريّة في قطاعَي الاتصالات والشحنرأس رياض سلامةأولى العواصم التي يزورهاالتصرّف بأموال حقوق السحب الخاصّةمتفهِّماً لأهمية التفاوض مع صندوق النقدانسجامه مع معسكر المصارفحساب المودعين وسعر الصرف على المدى الطويل