وأخيراً، بكيت اليوم

جمدت بأرضي وقت وصلّي أول فيديو من بيت رفقاتي بمار مخايل. ما استوعبت شو عم شوف. البيت يلي مقضاية فيه إيام وليالي. يلي فيه أوضة بسمّيها أوضتي، كلّه بالأرض. ما استوعبت كيف بعدن عايشين. ما استوعبت كيف ما صرلن شي. جمدت بس.
ما عرفت شو أعمل بس وصلّي خبر إنه في بنت كانت معي بالصف بالمدرسة مفقودة. صرت فوت نبّش بالأخبار ع اسمها. قريت لوايح المستشفيات اسم اسم. وصل الخبر بعدين إنه لقيوها متوفاية. ما عدت شفتها من إيام المدرسة. حسيت لوهلة إني كنت معها قبل بيوم من الجريمة.
تفرّجت ع رفقاتي يلي كانوا معي لحظة يلي وصلنا الخبر وما عرفت شو قلّن هني وعم بيشوفوا شو صار ببيوتن هني وبعاد عنها. ركضت أعبطن. مع إنه ممنوع العبط بزمن الكورونا. بس ما كان عندي شي قلّن ياه غير العبطة.

وأخيراً، بكيت اليوم.
كنت برّا بيروت وقت طلع الانفجار. ما سمعت شي، ما تكسّر شي حولي، ما عشت الرعب، ما شفت الخراب. وصلّي خبر ع واتساب إنه في هزّة ببيروت. بعدين صار إنفجار. بعدين قرّرت أل. بي. سي. إنه الإنفجار حد بيت الوسط لأن السكوب فوق كل إعتبار. ليتبيّن إنه بالمرفأ. وإنه مش انفجار متل الانفجارات يلي عوّدونا عليها كل حياتنا. لا. هالمرة قرّروا يفجرونا كلنا بشي بيشبه القنبلة النووية.
يفجرونا إيه. لأن يلّي بيترك سفينة محمّلة مواد متفجرة 6 سنين بالمرفأ وما بيعمل شي لا ليفهم شو هيّي ولا ليفهم شو معقول يعمل فيها بيكون خطّط ليقتلنا.
يفجرونا إيه. لأن يلي بيوظّف بالواسطة بالجمارك وبالمرفأ وبالأجهزة الأمنية وبالإدارات الرسمية ويلّي بيعيّن وزرا جاهلين شغلتن يقدموا فروض الطاعة بيكون خطّط ليقتلنا.
يفجرونا إيه. لأن يلي بـ30 سنة بعد انتهاء الحرب ما قدر يبني مؤسسة رسمية وحدة شغالة. ما قدر يكون جاهز لإدارة أي أزمة. من أزمة تصريف التفاح لخطر وقوع زلزال، بيكون خطّط ليقتلنا.
يفجرونا إيه. لأن يلي بعد 3 إيام من وقوع الجريمة، ما طلع اعتذر، ما تحمّل جنس المسؤولية عن يلي صار، ما استقال، تارك مدرا المرفأ والجمارك يسرحوا ويمرحوا بين تلفزيون والتاني، بيكون خطّط ليقتلنا.

وأخيراً، بكيت اليوم.
بكيت من الحزن. ع مار مخايل والجميزة يلي مشيت فين مبارح ويلي ما عرفتن. يلي ما شفت فيّن أي وجود «للدولة». يلي متروكين لناسن الحلوين لينضفوا الشوارع والبيوت.
بكيت من القلق. ع مصير جيل جديد عرف التروما ع بكير. ع مصيرنا ونحنا محكومين من قرطة مجرمين صرلن 45 سنة بيفظعوا فينا. ع سنة عشنا فيها انتفاضة، وباء، انهيار اقتصادي واجتماعي ومالي، تفجير تاريخي ونحنا بعدنا بشهر آب. ع حياة راحت من أهلنا، منّا ومن ولادنا.
بكيت من التعب. ع بيروت يلي دمروها بالحرب ليرجعوا يعمروها ع قياسن. يلي عملوا من وسطها مدينة أشباح لصارت اليوم كلها مدينة أشباح. ع بيروت يلي عشنا فيها أجمل لحظات حياتنا. يلي بكّتنا كتير بس يلي منحبها كتير. يلي كل مرة بيصيبها شي منعمل المستحيل لنرجع نعمّرها. يلي بيرجعوا بينجحوا بتدميرها كل مرة.
بكيت من الغضب. غضب ما بحياتي حسيت فيه وأنا من كم أسبوع كنت مقتنعة إنه هيدا الماكسيموم يلي ممكن أوصلّه. غضب من منظومة تاركة ناسها تنبّش ع مفقوديها، تنام ببيوت مكشوفة، تنام بالشارع، تنام بالعتمة. من قرطة مجرمين وصلوا لإنه يفجروا مدينة بكاملها ويضلّن معتقدين إنه فين يضلّن ع كراسيهن.

بس هالمرة رح ننتقم.
لعناصر الدفاع المدني يلي انبعتوا يطفوا الحريق بلا ما حدا يقلّن شو رايحين يطفوا.
للناس يلي ماتت بالمرفأ، ببيوتها، بمكاتبها، بسياراتها، بالشارع.
للبيوت والأشغال يلي تدمرت.
للمدينة يلي منعوا كورال الأسبوع الماضي يغنيلها «إنّ الثورة تولد من رحم الأحزان».
للبلد يلي عم يطلب منا لمرة وحدة بس ما نرضى بمصيرنا، ما نتأقلم، ما «نتغزّل» بقدرتنا عالصمود. يلي عم يطلب منا نواجه، نحمّلن مسؤولية، نتحمّل مسؤولية. لأن يلّي صار منه قضاء وقدر. لأن كل شي صار قبله منه قضاء وقدر. لأن يلي صار وعم يصير هو جريمة عن سابق تصور وتصميم. هالمرة بدنا نحمل كل هيدا الخراب ونحوّله لثورة تشيل ما تخلّي.

وداعًا للّغة

يُلَوْفِكون الموضوع ويتقاذفونه ويحذّرون ممّا يمكن أن يحدث أتخيَّل شباباً يلحمون فجوة في حائط عنبر الأمونيوم، وأهلع مثلما هرَّبوا أموالهم، وتلاعبوا بأرزاق اللبنانيين ومدّخراتهم حتى لغتهم بمفرداتها هذه بائسة ومجرمة لا نستحق على الإطلاق لا انتظارنا، ولا صدمتنا المقيمة، ولا حزننا، ولا غضبنا.

ثأرٌ صافٍ مثلَ دمعة

الموت لا يقتل الجبناء، بل الانتقام يبحث دياب بين ركام الأبواب المخلّعة عن كتاب إنجازاته وسعد الحريري يلتقط لنفسه سيلفي عارياً قتلنا مثلهم أضعاف الأضعاف في مجازر الجبل ومتذكّراً سحسوحه مع رستم غزالي