وتحرّك جيل الآيباد

نحن جزء من الشعب ومن أن حقّنا نثور.

رايحين نحرّر كل تلميذ مجبور يبقى بصفّه.

إذا ماما عامله مجدّرة مش رايح عالبيت اليوم.

مش رايح إتعلّم تاريخ، جايي إكتبو.

من حيث لا نعلم، انضمّ طلاب المدارس إلى التظاهرات. لكنّ ما نعلمه هو أنّ السلطة سبق أن اتّخذت قراراً بإعادة الحياة إلى طبيعتها. لم تفهم أنّ الاحتجاج بات هو الحياة الطبيعية، وأنّ لا عودة إلى الواقع غير الطبيعي الذي كان قبل 17 أكتوبر. فتحت الطرقات بالقوّة، فجاءها سيلٌ من المسيرات. فتحت أبواب المؤسسات التربوية، ففتحت على نفسها أبواب الجحيم. تحوّل الطلاب من أفراد قابعين في منازلهم إلى كتل منتفضة. وفي مشهد مهول وغريب، فاجأ هؤلاء الجميع بقدرتهم على ابتكار أساليب التعبير وحماستهم السياسية والمطلبية.


للوهلة الأولى، يردّنا هذا اليوم الطلابي إلى مشهد ستينيات وسبعينيات القرن الماضي قبل الحرب الأهلية والانقسام والتحزّب وسيطرة الطوائف. صور وفيديوهات بالأبيض والأسود لتلامذة مدارس وطلاب جامعيين بسراويل أقدام الفيلة والشعر المشعّث، وجامعيات بالميني جوب أو الجينز، يجوبون الشوارع بحثاً عن العدالة الاجتماعية حيناً واستقلال المجالس الطلابية حيناً آخر.

لكن لا يلبث هذا المشهد القديم أن يختفي. فلا أحزاب (يمينية أو يسارية) تقود هذه التحرّكات، ولا شعارات سياسية ضخمة معلّبة تعبّر عن تحالفات سلطة أو معارضة. لا هانوي ولا سايغون. بل مطالب وحقوق واضحة وموحّدة: نريد التعلّم والعيش بكرامة، لا نريد التعلّم وتعليق شهاداتنا على حيطان منازلنا، لا نريد الهجرة، نريد منهاجاً حديثاً للدراسة وليس ما درسه آباؤنا وأمهاتنا. نزل الطلاب للمشاركة في صياغة تاريخ جديد بعيداً من سرديات الفصول الأربعة وقرب الجبل من البحر. تاريخ جديد تبدأ فصوله بكيف تنتفض على السلطة، داخل المدرسة وخارجها.


جيل قُدِّر له أن يعيش مرحلة ما بعد 8 و14 آذار، فلم تلحق به تلك اللوثة. بل نما على حِراكات بيروت وكل لبنان، رفضاً للاختناق بالنفايات والمزابل، وعدم توفّر المياه النظيفة، والعجز عن إيجاد حلّ للكهرباء. نما على الصفقات السياسية التي عقدتْها قوى السلطة في ما بينها. ففرزت الواقع الحالي: الأحزاب في مواجهة الفئات غير الحزبية. نما على فكرة السلطة في مواجهة الشعب، والشعب في مواجهة النظام.

كأنّ «الجدار» الأسطورية للبينك فلويد تُترجم هنا. كلّ فرد يكسر جدار عزلته، والمجموعة تكسر جدار الخوف، وتتّجه لإسقاط مسبّبي العزلة والخوف. تحرّك «جيل الآيباد»، ومعه كبرت كرة الثلج الشعبية. كرة نظيفة أطبقت على صدور سلطات المدارس والجامعات الذين رضخوا بعد أن هدّدوا وهوّلوا. وستُطبق على مَن في السلطة، وسيرضخون وسيحاسَبون.