إيران تحتجّ وسط حصار من أعداء داخليّين وخارجيّين 
11
دقيقة

الانتفاضة الخامسة منذ 2017

منذ 28 كانون الأول 2025، عادت إيران لتشتعل بحمّى احتجاجات واسعة. وقد دوّت هتافات «الموت للديكتاتور» و«الموت لخامنئي» في ما لا يقلّ عن 222 موقعًا، موزّعة على 78 مدينة في 26 محافظة. لم تستهدف هذه الاحتجاجات الفقر وارتفاع الأسعار والتضخّم ونزع الملكية وحسب، بل طالت أيضاً النظام السياسي المتعفّن حتى النخاع. باتت الحياة غير قابلة للاستمرار بالنسبة إلى الغالبية، لا سيما الطبقة العاملة والنساء وأفراد مجتمع الميم والأقليات القومية غير الفارسية. لا يعود ذلك فقط إلى السقوط الحرّ للعملة الإيرانية عقب حرب الأيام الاثني عشر، بل أيضًا إلى انهيار الخدمات الاجتماعية الأساسية، بما في ذلك الانقطاعات المتكرّرة للكهرباء، وتعميق الأزمة البيئية (تلوّث الهواء والجفاف وإزالة الغابات وسوء إدارة الموارد المائية)؛ إضافةً إلى الإعدامات الجماعية (حيث أُعدم ما لا يقلّ عن 2,063 شخصاً في عام 2025). وقد تضافرت هذه العوامل جميعها لتفاقم شروط العيش في إيران. تتمحور الاحتجاجات الراهنة حول أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي، ويكمن أفقها النهائي في استعادة الحياة نفسها.

تشكل هذه الانتفاضة الموجة الخامسة في سلسلة بدأت في كانون الأول 2017 مع ما عُرف بـ«انتفاضة الخبز». ثم تلتها الانتفاضة الدامية في تشرين الثاني 2019 والتي مثّلت انفجارًا للغضب الشعبي ضد رفع أسعار الوقود وضد الظلم. وفي عام 2021 اندلعت «انتفاضة العطشى» التي بادرت إليها وقادتها الأقليات القومية العربية. بلغ هذا المسار ذروته مع انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022 والتي وضعت نضالات تحرّر النساء والنضالات المناهضة للاستعمار التي تخوضها شعوب مضطهدة (مثل الأكراد والبلوش) في الواجهة، فاتحةً آفاقاً جديدة للنضال.

أما انتفاضة اليوم، فتعيد وضع أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي في الصدارة، ولكن هذه المرّة على أرضية أكثر جذرية وفي سياق ما بعد الحرب. فهي احتجاجات تنطلق من مطالب معيشية لكنها (وبسرعة لافتة) تصوّب مباشرةً على بُنى السلطة والأوليغارشية الفاسدة.

انتفاضة محاصَرة بتهديدات خارجية وداخلية

تواجه الاحتجاجات المتواصلة في إيران حصارًا متعدّد الجهات بفعل تهديدات خارجية وداخلية في آن. فقبل يوم واحد فقط من الهجوم الإمبريالي الأميركي على فنزويلا، أصدر دونالد ترامب، متلفّعًا بخطاب «دعم المتظاهرين»، تحذيرًا قال فيه إنه إذا قتلت الحكومة الإيرانية المتظاهرين السلميين، وهو ما اعتادت عليه، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستأتي لإنقاذهم. نحن جاهزون ومسلّحون ومستعدّون للتحرّك. هذه هي الحبكة الأقدم في سجلّ الإمبريالية: استخدام لغة «إنقاذ الأرواح» لتبرير الحروب، كما حدث في العراق وليبيا. ولا تزال الولايات المتحدة تسير على هذا النهج حتى اليوم، ففي عام 2025 وحده، شنّت هجمات عسكرية مباشرة على سبع دول.

أما الحكومة الإسرائيلية الإبادية، والتي كانت قد شنّت سابقًا هجومها الذي استمرّ اثني عشر يومًا على إيران تحت راية «المرأة، الحياة، الحرية»، فهي تكتب اليوم بالفارسية على وسائل التواصل الاجتماعي: نحن نقف معكم أيها المتظاهرون. وفي هذا السياق، يسعى الملكيون (بوصفهم الذراع المحلي للصهيونية، والذين تحمّلوا وصمة دعم إسرائيل خلال حرب الأيام الاثني عشر) إلى تقديم أنفسهم مجددًا أمام رعاتهم الغربيين باعتبارهم «البديل الوحيد». وقد فعلوا ذلك عبر تمثيل انتقائي للواقع والتلاعب به، من خلال إطلاق حملة سيبرانية تهدف إلى الاستيلاء على الاحتجاجات، واختلاق شعارات الشارع وتشويهها وتغيير نبرتها بما يخدم المشروع الملكي. ويكشف ذلك عن خداعهم وطموحاتهم الاحتكارية وقوّتهم الإعلامية، والأهمّ، عن ضعفهم داخل البلاد، إذ يفتقرون إلى أي قاعدة فعليّة داخل إيران. وتحت شعار «لنجعل إيران عظيمة مجددًا»، رحّبت هذه الجماعة بالعملية الإمبريالية التي قادها ترامب في فنزويلا، وهي اليوم تنتظر اختطاف قادة الجمهورية الإسلامية على يد قتلة مأجورين أميركيين وإسرائيليين.

وبالطبع لا يمكن إغفال معسكر «اليسار» الزائف، أو ما يُسمّى بـ«المناهضين للإمبريالية» (campistes)، الذين يبرّرون ديكتاتورية الجمهورية الإسلامية عبر إسقاط قناع مناهض للإمبريالية على واجهتها. هؤلاء يشكّكون في شرعية الاحتجاجات الراهنة، مردّدين الاتهام المتهالك بأن «أي انتفاضة في ظل هذه الظروف ليست سوى لعب في ملعب الإمبريالية»، لأنهم لا يستطيعون قراءة إيران إلا من خلال عدسة الصراع الجيوسياسي، وكأن كل تمرّد ليس سوى مشروع أميركي إسرائيلي متنكّر. وبهذا ينكرون الذاتية السياسية للشعب الإيراني، ويمنحون الجمهورية الإسلامية حصانة خطابية وسياسية فيما تواصل قتل شعبها وقمعه.

«غاضبون من الإمبريالية لكن خائفون من الثورة»، هذه الاستعادة لصياغة أمير برويز بويان، وهو منظر شيوعي ومناضل ثوري قتل في عام 1971 على يد النظام الملكي، قد تعبّر عن موقف مناهضي الإمبريالية الذي يشكل موقفًا رجعيًا لديناميكية رجعية. بل يذهبون أبعد من ذلك، فنُطالَب أحيانًا بألّا نكتب عن الاحتجاجات والقتل والقمع في إيران بأي لغة غير الفارسية في المنابر الدولية، بحجة عدم منح الإمبرياليين «ذريعة»، وكأن العالم الخارجي يخلو من شعوب قادرة على مصائر مشتركة وتجارب متقاطعة وروابط، وتضامن في النضال. بالنسبة لهؤلاء، لا فاعل سوى الحكومات الغربية، ولا واقع اجتماعياً سوى الجغرافيا السياسية.

في مواجهة هذه القوى، نؤكد على شرعية هذه الاحتجاجات وعلى تقاطع أشكال القمع وعلى وحدة مصير النضالات. فالتيار الملكي الرجعي آخذ في التوسع داخل أوساط المعارضة اليمينية المتطرّفة، كما أن التهديد الإمبريالي الذي يواجه الشعب الإيراني (بما فيه خطر التدخل الخارجي) هو تهديد حقيقي. لكن الغضب الشعبي حقيقي أيضًا وقد تشكّل عبر أربعة عقود من القمع الوحشي والاستغلال و«الاستعمار الداخلي» الذي مارسته الدولة ضد المجتمعات غير الفارسية. ليس أمامنا خيار سوى مواجهة هذه التناقضات كما هي. ما نشهده اليوم هو قوة تمرّد تنهض من أعماق الجحيم الاجتماعي في إيران: أُناس يراهنون بحياتهم من أجل البقاء ويواجهون آلة القمع وجهًا لوجه. ليس من حقّنا استخدام ذريعة التهديد الخارجي لإنكار العنف الواقع على ملايين البشر في إيران، أو لإنكار الحق في الانتفاض عليه.

من ينزل إلى الشوارع اليوم هم أُناس سئموا التحليلات التجريدية التبسيطية المتعالية. هم يناضلون من داخل التناقضات: يعيشون تحت وطأة العقوبات، وفي الوقت نفسه تحت نهب أوليغارشية محلّية. يخشون الحرب ويخشون الديكتاتورية الداخلية، لكن الخوف لا يُشعرهم بالعجز. يصرّون على أن يكونوا فاعلين في صنع مصيرهم، ولم يعد أفقهم- منذ كانون الأول 2017 على الأقل- هو الإصلاح، بل إسقاط الجمهورية الإسلامية.

اتّساع رقعة الانتفاضة

اندلعت الاحتجاجات على وقع السقوط الحرّ للريال وبدأت أولًا بين أصحاب المتاجر في العاصمة، ولا سيما في أسواق الهواتف المحمولة والحواسيب، لكن سرعان ما اتّسعت لتتحوّل إلى انتفاضة واسعة ومركّبة شارك فيها الأُجَراء والباعة المتجوّلون والحمّالون وعمّال الخدمات من مختلف حلقات الاقتصاد التجاري في طهران. ومن هناك انتقلت الانتفاضة بسرعة من شوارع العاصمة إلى الجامعات، ثم إلى مدن أخرى (ولا سيما المدن الأصغر) التي باتت تشكّل بؤر هذه الموجة الاحتجاجية.

منذ اللحظة الأولى، استهدفت الشعارات الجمهورية الإسلامية بوصفها نظامًا متكاملًا. واليوم تُدفع الانتفاضة إلى الأمام أساساً من قبل الفقراء والمجرّدين من الموارد: الشباب والعاطلون عن العمل وفئات «الفائض السكاني» والعاملون في أوضاع هشّة، والطلاب.

استخفّ بعضهم بهذه الاحتجاجات لأنها انطلقت من البازار، أي من قلب الاقتصاد التجاري في طهران، والذي يُنظر إليه كحليف للنظام ورمز للرأسمالية التجارية. وجرى وسم الانتفاضة بأنها «للبرجوازية الصغيرة» أو «مرتبطة بالنظام». هذا الموقف يستحضر ردود الفعل الأولى على حركة «السترات الصفراء» في فرنسا عام 2018 حين سارع كثيرون إلى إعلان فشلها المحتوم لأنها نشأت خارج الطبقة العاملة «التقليدية» وشبكات اليسار المعترف بها، ولأن شعاراتها بدت متناقضة.

لكنّ مكان انطلاق الانتفاضة لا يحدّد مسارها، وبداياتها لا تحكم وجهتها النهائية. كان من الممكن أن تشتعل الاحتجاجات الحالية في إيران بفعل أيّ شرارة، لا البازار وحده. كما أنّ ما بدأ في نقطة ما يمكن أن يمتدّ إلى كامل أنحاء الجسم الاجتماعي ولا تحدّد نقطة البداية مساره المستقبلي. تُظهر تجربة «دي 1396» تشير تجربة «دي 1396» إلى الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في إيران من كانون الأول 2017 حتى مطلع عام 2018 والتي عُرِفت باسم «انتفاضة الجياع». أنّ حركةً تبدأ بقوى محافظة مندمجة داخل النظام يمكن أن تتحوّل سريعًا إلى معارضة شاملة للنظام برمّته. ومع الاحتجاجات الأخيرة، انطلقت الشرارة من البازار، لكنها سرعان ما امتدّت إلى الأحياء الشعبية الحضرية في طهران وإلى عدد من المحافظات، ولا سيما مع دخول عمّال أسواق الخضار والفواكه في طهران في إضرابٍ ابتداءً من اليوم الخامس.

جغرافيا الانتفاضة

في حين أن القلب النابض لانتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022 خفق في المناطق المُهمَّشة من كردستان وبلوشستان، فإن المدن الأصغر في الغرب والجنوب الغربي باتت اليوم عقدًا مركزية للاضطرابات: همدان ولورستان وكهكيلويه وبوير أحمد وكرمانشاه وإيلام. وتتعرض أقليات اللور والبختياري واللاك في هذه المناطق لسحقٍ مزدوج تحت وطأة الأزمات المتراكبة التي تعصف بالجمهورية الإسلامية: ضغط العقوبات وظلال الحرب، القمع والاستغلال القوميان، والتدمير البيئي الذي يهدد سبل عيشهم بالأخص في سلسلة جبال زاغروس. هذه الجغرافيا نفسها التي أعدمت فيها الجمهورية الإسلامية مجاهد كوركور، وهو متظاهر من اللور خلال انتفاضة جينا/ مهسا أميني، قبل يوم واحد من الهجوم الإسرائيلي، وهي التي قُتل فيها كيان بيرفلاك، الطفل البالغ من العمر تسع سنوات، برصاص حيّ أطلقته قوات الأمن خلال انتفاضة 2022.

ومع ذلك، وعلى خلاف انتفاضة «المرأة» التي اتسعت منذ بدايتها على نحوٍ واعٍ على خطوط الصدع الجندرية/الجنسية والقومية، برز التناقض الطبقي بوضوح أكبر في الاحتجاجات الأخيرة واتّبع انتشارها حتى الآن منطقًا جماهيريًا أوسع.

بين 28 كانون الأول و4 كانون الثاني 2025 قُتل ما لا يقل عن 17 شخصاً على يد أجهزة القمع التابعة للجمهورية الإسلامية باستخدام الرصاص الحي وبنادق الخرطوش، وكان معظم الضحايا من اللور (بالمعنى الواسع، ولا سيما في لورستان وتشهارمحال وبختياري) ومن الأكراد (خصوصًا في إيلام وكرمانشاه). واعتُقل ما لا يقلّ عن 580 شخصاً بينهم 70 قاصراً على الأقل، وأُصيب العشرات. ومع تقدّم الاحتجاجات تصاعد عنف الشرطة: ففي اليوم السابع في إيلام، داهمت قوات الأمن مستشفى الإمام الخميني لاعتقال الجرحى، وفي بيرجند اقتحمت سكن الطالبات. يواصل عدد القتلى الارتفاع مع تعمّق الانتفاضة، ومن شبه المؤكد أن الأرقام على الأرض أعلى من المعلَن.

لا يتوزع هذا العنف بالتساوي: فالقمع أشدّ في المدن الصغيرة، ولا سيما داخل المجتمعات المهمَّشة والأقليات التي دُفعت تاريخيًا إلى الأطراف. وتشهد المجازر الدموية في مالكشاهي بإيلام وجعفر آباد في كرمانشاه على هذا التفاوت البنيوي في القمع والاضطهاد.

وفي اليوم الرابع للاحتجاجات، أعلنت الحكومة بتنسيق بين مؤسساتها المختلفة إغلاقات واسعة في 23 محافظة بذريعة «الطقس البارد» أو «نقص الطاقة». لكن الواقع أن الخطوة كانت محاولة لقطع الدوائر التي تنتشر عبرها الانتفاضة: البازار والجامعة والشارع. وبالتوازي اتجهت الجامعات بشكل متزايد إلى نقل التدريس إلى الإنترنت، بهدف تفكيك الروابط الأفقية بين فضاءات المقاومة.

أثر حرب الـ12 يوم

بعد حرب الـ12 يوم في حزيران 2025، اتجهت السلطة الحاكمة في إيران إلى استخدام العنف المفرط لتعويض ما تآكل من شرعيتها وانهيار هيبتها. أسهمت الهجمات الإسرائيلية على المواقع العسكرية الإيرانية وعلى المدنيين في مزيد من عسكرة الفضاءَيْن السياسي والاجتماعي، ولا سيما عبر حملة عنصرية لترحيل المهاجرين الأفغان جماعيًا. وفيما تصرّ الدولة على خطاب «الأمن القومي»، تحوّلت هي نفسها إلى مُنتِجٍ مركزي لانعدام الأمن: انعدام أمن الحياة عبر قفزة غير مسبوقة في الإعدامات وسوء معاملة منهجية للمعتقلين، وانعدام الأمن الاقتصادي عبر تدمير سبل العيش.

ومنذ 24 حزيران 2025، أي تاريخ انتهاء الحرب، وحتى ليلة اندلاع الاحتجاجات الأولى في بازار طهران في 18 كانون الأول، خسر الريال نحو 40 في المئة من قيمته. لم يكن ذلك «تقلبًا طبيعيًا» في السوق بل نتاجًا مركّبًا لتصاعد العقوبات، ولسعي الجمهورية الإسلامية المتعمّد إلى تمرير كلفة الأزمة من الأعلى إلى الأسفل عبر خفضٍ مُدار لقيمة العملة الوطنية.

أدّت حرب الأيام الاثني عشر التي تلاها تشديدٌ للعقوبات الأميركية والأوروبية وتفعيلٌ لآلية «سناب باك» في مجلس الأمن، إلى تشديد الحصار على عائدات النفط والقطاع المصرفي والنظام المالي، بما خنق تدفّقات العملات الأجنبية وعمّق أزمة الموازنة، الأمر الذي كان ثمنه مباشرًا على الطبقات الشعبية والوسطى.

يجب إدانة العقوبات دون قيد أو شرط. غير أنها، في إيران اليوم، تعمل أيضًا كأداة سلطة طبقية داخلية. إذ تتركّز العملات الأجنبية على نحو متزايد في أيدي أوليغارشية عسكرية- أمنية تستفيد من الالتفاف على العقوبات ومن وساطات نفطية معتمة. وتُحتجز عائدات التصدير فعلياً كرهينة، ولا يُفرَج عنها داخل الاقتصاد الرسمي إلا في لحظات مختارة وبأسعار مُتلاعب بها. وحتى عندما ترتفع مبيعات النفط، تدور العائدات داخل مؤسسات شبه حكومية و«دولة موازية» (في مقدّمها الحرس الثوري) بدلًا من أن تنعكس على حياة الناس اليومية.

لتغطية العجز الناجم عن تراجع الإيرادات وحجب العائدات، لجأت الدولة إلى رفع الدعم وفرض التقشّف. وفي هذا الإطار، يصبح الانخفاض الحادّ في قيمة الريال أداةً مالية بحدّ ذاته: فهو يُجبر العملة «الرهينة» على العودة إلى التداول وفق شروط الدولة، ويُوسّع بسرعة موارد الحكومة المقوّمة بالريال، علماً بأن الدولة نفسها من كبار حائزي الدولار. والنتيجة هي اقتطاع مباشر من مداخيل الطبقات الدنيا والوسطى وتحويل أرباح الالتفاف على العقوبات وريع العملة إلى أقلية ضيّقة، بما يعمّق الانقسام الطبقي ويزعزع الاستقرار المعيشي، ويؤجّج الغضب الاجتماعي. بعبارة أخرى، تُدفَع كلفة العقوبات مباشرةً من جيوب الطبقات الدنيا والشرائح الوسطى المتآكلة.

إذاً يجب فهم انهيار العملة الوطنية بكونه نهبًا منظّمًا تمارسه الدولة في اقتصاد مثقل بآثار الحرب ومخنوق بالعقوبات، وتلاعب متعمّد بأسعار الصرف لصالح شبكات وساطة مرتبطة بالأوليغارشية الحاكمة في خدمة دولة حوّلت «تحرير الأسعار» النيوليبرالي إلى عقيدة مقدّسة.

في المقابل، يختزل «اليسار» المعسكراتي الزائف الأزمة بالعقوبات الأميركية وهيمنة الدولار، مُلغيًا دور الطبقة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية بوصفها الفاعل النشط في إعادة انتاج هذا الواقع. وعلى الضفّة الأخرى، يُلقي المعسكر اليميني، المتماهي بطبيعة الحال مع الإمبريالية الغربية، اللوم حصرًا على الجمهورية الإسلامية، ويتعامل مع العقوبات بوصفها هامشية. 

هذان الموقفان صورتان متقابلتان للمنطق نفسه، ولكلٍّ منهما مصالحه. وفي مواجهتهما، نُصرّ على الاعتراف بتشابك النهب والاستغلال على المستويَيْن العالمي والمحلي. نعم، تُدمِّر العقوبات حياة الناس بين نقص الأدوية وغياب قطع الغيار الصناعية، والبطالة والدمار النفسي، لكنّ العبء يُحمَّل اجتماعيًا على السكان لا على الأوليغارشية العسكرية- الأمنية التي تُراكم ثروات هائلة عبر سيطرتها على القنوات غير الرسمية للعملة والنفط.

التناقضات

تُسمَع في الشارع الإيراني شعارات متناقضة، بين دعوات لإسقاط الجمهورية الإسلامية إلى نداءات نوستالجية لأيام الملكية. وفي الوقت نفسه، يرفع الطلاب شعارات تستهدف استبداد الجمهورية الإسلامية والاستبداد الملكي على السواء. 

تعكس الشعارات المؤيّدة للشاه تناقضات حقيقية على الأرض لكنها تُضخَّم أيضاً (وأحياناً تُفبرك) عبر تشويهات إعلامية يمينيّة، بما في ذلك الاستبدال المخزي لأصوات المتظاهرين بشعارات ملكية. ويُعدّ الدور الأبرز في هذا التلاعب من نصيب قناة «إيران إنترناشيونال» التي تحوّلت إلى منبر دعائي صهيوني- ملكي، وتُقدَّر ميزانيتها السنوية بنحو 250 مليون دولار، مموَّلة من أفراد ومؤسسات مرتبطة بحكومتي السعودية وإسرائيل.

على امتداد العقد الماضي، باتت جغرافيا إيران ساحة توتّر بين أفقين اجتماعيَّيْن- سياسيَّيْن، يتوسّطهما نموذجان مختلفان للتنظيم في مواجهة الجمهورية الإسلامية. فمن جهة، ثمّة تنظيم اجتماعي ملموس ومتجذّر يعمل على خطوط الصدع الطبقية والجندرية/ الجنسية والقومية، يتجلّى بوضوح في الشبكات المتقاطعة التي تشكّلت خلال انتفاضة 2022 «المرأة، الحياة، الحرية» الممتدة من سجن إيفين إلى الشتات، والتي أنتجت وحدة غير مسبوقة بين قوى متنوّعة تشمل النساء والأقليات القومية الكردية والبلوشية، اجتمعت على معارضة الديكتاتورية وطرح آفاق نسوية ومناهضة للاستعمار. 

ومن جهة أخرى، يقف حشد شعبوي مُصطنع بوصفه «ثورة وطنية»، يهدف إلى إنتاج كتلة متجانسة من الأفراد المُجزَّأين اجتماعيًا عبر شبكات التلفزة الفضائية. يسعى هذا المشروع (بدعم إسرائيل والسعودية) إلى تجميع جسد يمكن لاحقًا تركيب «رأسه» (أي نجل الشاه المخلوع) من الخارج عبر تدخّل مدعوم أجنبيًا، وزرعه فيه. وخلال العقد الماضي، دفع الملكيون، المسلّحون بقوة إعلامية هائلة، الرأي العام نحو قومية عنصرية متطرّفة، بما عمّق الشروخ القومية وفتّت الخيال السياسي لشعوب إيران.

إن نموّ هذا التيار في السنوات الأخيرة ليس دليلًا على «تخلّف» سياسي لدى الناس، بل نتيجة لغياب تنظيم يساري واسع وقوة إعلامية قادرة على إنتاج خطاب مضادّ للهيمنة، وهو غياب وضعف نتجا جزئيًا عن القمع والاختناق السياسي، بما فتح المجال أمام هذه الشعبوية الرجعية. وفي غياب سردية قوية من قوى يسارية وديمقراطية وغير قومية، يمكن حتى للشعارات والمُثل كالحرية والعدالة وحقوق النساء أن يستولى عليها بسهولة وتُعاد تعبئتها وبيعها للناس في غلاف «تقدّمي» يخفي جوهرًا استبداديًا، وقد يُغلَّف بمفردات اشتراكية. وهنا تحديدًا يبتلع اليمين المتطرّف أيضًا حيّز الاقتصاد السياسي.

وفي الوقت نفسه، ومع احتدام العداء مع الجمهورية الإسلامية، اشتدّ التوتر بين هذين الأفقين والنموذجَيْن. يظهر هذا الانقسام، اليوم، في التوزيع الجغرافي لشعارات الاحتجاج. فبما أنّ مشروع «عودة بهلوي» يمثّل أفقًا أبويًا قائمًا على قومية فارسية إثنية ويمينية متجذّرة، فإن الشعارات المؤيّدة للملكية تغيب إلى حدّ كبير في الأماكن التي تبلورت فيها أشكال تنظيم عمّالي ونسوي قاعدي: في الجامعات وفي المناطق الكردية والعربية والبلوشية والتركمانية والتركية، وغالبًا ما تُواجَه بردود فعل سلبية. هذا الوضع المتناقض هو ما قاد إلى قراءات مُلتبسة ومتباينة للانتفاضة الأخيرة.

الأفق

تقف إيران اليوم عند لحظة تاريخية فاصلة. فالجمهورية الإسلامية في إحدى أضعف حالاتها منذ تأسيسها: دوليًا في أعقاب 7 تشرين الأول 2023 وما تبعه من إضعاف لما يُعرف بـ«محور المقاومة»؛ وداخليًا بعد سنوات من الانتفاضات والتمرّدات المتكرّرة. لا يزال مصير هذه الموجة الجديدة مفتوحًا على الاحتمالات، لكنّ حجم الأزمة وعمق السخط الشعبي يجعلان اندلاع جولة جديدة من الاحتجاجات مسألة وقت. وحتى لو جرى قمع انتفاضة اليوم، فإنها ستعود. وفي هذا السياق، لا يمكن لأي تدخل عسكري أو إمبريالي إلا أن يُضعف النضال من الأسفل، ويمنح الجمهورية الإسلامية هامشًا أوسع لتشديد القمع.

على امتداد العقد الماضي، أعاد المجتمع الإيراني ابتكار الفعل السياسي الجماعي من القاعدة. فمن بلوشستان وكردستان خلال انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية»، إلى المدن الأصغر في لورستان وأصفهان في موجة الاحتجاجات الحالية، انتقلت الفاعلية السياسية (ومن دون أي تمثيل رسمي من الأعلى) إلى الشارع ولجان الإضراب والشبكات المحلية غير الرسمية. لا تزال هذه القدرات والروابط حيّةً داخل المجتمع على الرغم من القمع الوحشي، ولا تزال قابليتها للعودة والتبلور في شكل قوة سياسية قائمة. غير أنّ تراكم الغضب وحده لا يكفي لتحديد استمراريتها أو وجهتها. وبالتالي، فإنّ عامل الحسم سيكون إمكانية بناء أفق سياسي مستقلّ وبديل فعلي.

يواجه هذا الأفق تهديدَيْن متوازيَيْن. فمن جهة، قد يجري الاستيلاء عليه أو تهميشه من قبل قوى يمينية متمركزة خارج البلاد، توظّف معاناة الناس لتبرير العقوبات أو الحرب أو التدخل العسكري. ومن جهة أخرى، تعمل قطاعات من الطبقة الحاكمة (سواء العسكرية- الأمنية أو الإصلاحية) في الكواليس لتسويق نفسها للغرب بوصفها خيارًا «أكثر عقلانية» و«أقلّ كلفة» و«أكثر موثوقية»: أي بديلًا داخليًا من داخل الجمهورية الإسلامية، لا لكسر نظام الهيمنة القائم بل لإعادة ترتيبه بواجهة مختلفة. (هنا يجدر الذكر أن دونالد ترامب يسعى إلى مقاربة مشابهة في فنزويلا، عبر تطويع عناصر من السلطة الحاكمة بدلاً من إحداث تغيير في الحكم).

هذه هي الحسابات الباردة لإدارة الأزمات: احتواء الغضب الاجتماعي، وإعادة معايرة التوترات مع القوى العالمية، وإعادة إنتاج نظام تُحرَم فيه الشعوب من حق تقرير مصيرها.

في مواجهة هذَيْن التيّارَيْن، تصبح إعادة إحياء سياسة تحرّر أممية ضرورة أكثر أهمية من أي وقت مضى. وهذا لا يتعلّق بـ«طريق ثالث» مجرّد، بل بالتزام واضح بوضع نضالات الناس في قلب التحليل والفعل: تنظيم من القاعدة، لا سيناريوهات تُكتب من الأعلى على يد قادة نصّبوا أنفسهم، ولا ثنائيات زائفة تُصنَّع من الخارج. اليوم تعني الأممية الجمع بين حق الشعوب في تقرير مصيرها، والواجب في مناهضة جميع أشكال الهيمنة الداخلية والخارجية على حدّ سواء. ولا يمكن بناء كتلة أممية فعلية إلا انطلاقًا من التجربة المعاشة، والتضامنات الملموسة، والقدرات المستقلّة.

يتطلّب ذلك مشاركةً نشطةً من القوى اليسارية والنسوية والمناهضة للاستعمار والبيئية والديمقراطية في بناء تنظيم واسع، قائم على أسس طبقية، داخل موجة الاحتجاج، سواء من أجل استعادة الحياة أو لفتح آفاق بديلة لإعادة الإنتاج الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، على هذا التنظيم أن يتموضع في استمرارية مع الأفق التحرّري للنضالات السابقة، وتحديدًا حركة «المرأة، الحياة، الحرية» التي لا تزال طاقتها كامنة وقادرة على إرباك خطابات الجمهورية الإسلامية والتيار الملكي والحرس الثوري في آن واحد، وكذلك مقارعة الإصلاحيين السابقين الذين باتوا يحلمون بانتقال مُدار وإعادة اندماج في دورات التراكم الأميركية- الإسرائيلية في المنطقة.

وهذه أيضًا لحظة مفصلية للجاليات الإيرانية في المهجر: فإمّا أن تُسهم في إعادة تعريف سياسة تحرّر فعلية، وإمّا أن تُعيد إنتاج الثنائية المُنهكة بين «الاستبداد الداخلي» و«التدخل الخارجي» بما يُطيل أمد الانسداد السياسي. هنا يصبح من الضروري أن تبادر قوى الشتات إلى خطوات عملية لتشكيل كتلة سياسية أممية حقيقية ترسم حدودًا واضحة ضد الاستبداد الداخلي وضد الهيمنة الإمبريالية في آن. وهذا الموقف يقوم على الربط بين معارضة التدخل الإمبريالي والقطيعة الصريحة مع الجمهورية الإسلامية، مع رفض أي تبرير للقمع بذريعة مواجهة عدو خارجي.

إيران تحتجّ وسط حصار من أعداء داخليّين وخارجيّين 

اخترنا لك

تعليق

إيران: انتفاضة شعبية في عالم لا مكان فيه للشعوب

سامر فرنجية
انتفاضة إيران: الداخل والخارج يحاصران النظام 
12-01-2026
تقرير
انتفاضة إيران: الداخل والخارج يحاصران النظام 
116 قتيلاً على الأقلّ في احتجاجات إيران
احتجاجات إيران: مقتل 51 شخصاً والنظام يلوّح بقمع أوسع
إيران: توسّع الاحتجاجات والقمع
احتجاجات معيشية في إيران وانهيار للعُملة
«نشاطات دعائية ضدّ النظام»: إيران تحكم بالسجن سنة على المخرج جعفر بناهي
زينا (مهسا) أميني: أيقونة الانتفاضة الإيرانيّة
تحرير إيران يبدأ من الجامعات
28-10-2022
تقرير
تحرير إيران يبدأ من الجامعات
ثورة نسويّة تتشكّل
فكرة

ثورة نسويّة تتشكّل

L .
الانتفاضة الإيرانيّة تتضامن مع معتقلي سجن إيفين
19-10-2022
تقرير
الانتفاضة الإيرانيّة تتضامن مع معتقلي سجن إيفين
تعليق

حتّى لا تموت حركة «المرأة، الحياة، الحرية»

ناشطون إيرانيّون وسجناء سياسيّون سابقون في المنفى
المدارس الإيرانيّة تلتحق بالانتفاضة 
النظام الإيراني يستشرس ضد الانتفاضة
رياضيّو ورياضيّات إيران ينتفضون
تعليق

إسقاط الديكتاتور بعد إسقاط شرعيّته؟

ثائر غندور

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
غرينلاند: لماذا تراجع ترامب؟
23-01-2026
تقرير
غرينلاند: لماذا تراجع ترامب؟
إعلام المصارف يواجه قانون الفجوة المالية
23-01-2026
تحليل
إعلام المصارف يواجه قانون الفجوة المالية
إيران تحتجّ وسط حصار من أعداء داخليّين وخارجيّين 
تحليل

إيران تحتجّ وسط حصار من أعداء داخليّين وخارجيّين 

روجا ‎
حدث اليوم - الخميس 22 كانون الثاني 2026
22-01-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 22 كانون الثاني 2026
484 يوماً 
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 22/1/2026