يوميات مصر
مصطفى الأعصر

أينما ولّيت وجهك ترى السيسي

كيف ينظر السجين إلى سجّانه؟

4 شباط 2024

في مِثل هذا اليوم، صباح الرابع من شباط 2018، اختطفني رجالٌ بملابس مدنية على مرأى من الجميع في الشارع. سأكتشف لاحقًا أنّ الخاطفين هم أفراد أمن يتبعون لجهاز الأمن الوطني المصري، وأنّ جريمتي هي الصحافة، وعلى مدار ثلاث سنوات ونصف من الاعتقال سأرى صورة السيسي نصب عيني أينما ولّيت وجهي.

السيسي يبتسم للمعتقلين 

عندما اقتادوني إلى المعتقل، كانت صورة السيسي مبتسمًا تزيّن المدخل في صالة الاستقبال المقابلة لمكاتب ضباط المباحث وإدارة السجن، صورة ضخمة نرفع رؤوسنا لنراها. لا أذكر إن جاورها صورة أخرى للعلم المصري، لكنّي أذكر ابتسامته جيّدًا. أسترق إليها النظر وأنا مُنكَّس الرأس، عاري الجسد، يدفعونني دفعًا إلى أوّل زنزانة لي في المعتقل. بعد ذلك سأعتاد المشهد وأعتاد صورته وابتسامته التي ستصبح جزءًا من روتيني اليومي في المعتقل على مدار أكثر من 1,200 ليلة.

بعد الاستيقاظ، أنتظر وصول الجرائد القومية المسموح لنا بقرائتها ودفع اشتراكاتها، فتأتي يوميًا وصورة السيسي تزيّن صفحتها الأولى، دومًا أخبار الرئاسة في صدر الجريدة: السيسي يفتتح المصنع الفلاني، السيسي في زيارة عاجلة إلى الإمارات، السيسي يفتتح طريقًا جديدًا، السيسي يقود درّاجة هوائية فجرًا، السيسي في زيارة مفاجئة لأقسام الشرطة، السيسي يقابل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، السيسي يحتفل بالمولد النبوي، السيسي يزور محافظة بني سويف، السيسي في زيارة مفاجئة للكلية الحربية، السيسي يطلق مبادرة حياة كريمة، دائمًا السيسي ولا شخص غيره.

حينما يزورني الأهل الزيارة القانونية المقرّرة حسب لائحة السجون، أضطرّ إلى المرور على لافتة السيسي الضخمة أثناء الدخول والخروج، أبادله نظرات المقت والضغينة فيبادلني الابتسامة الباردة. وحينما تأتي سيارة الترحيلات في حراسة مشدّدة لإرسالي إلى جلسة تحقيق في نيابة أمن الدولة أو محاكم الإرهاب، أضطرّ أيضًا إلى النظر في عينيه قبل التحقيق وبعده، وقبل أمر تجديد الحبس وبعده، وكأنّه موضوعٌ هناك عمدًا ليذكّرني دائمًا بالفاعل الرئيس.

انتخابات الرئاسة داخل المعتقل وخارجه

اعتُقلت مع استعداد السيسي لفترته الرئاسية الثانية، وتجهُّز الدولة المصرية للانتخابات الرئاسية 2018 كي تظهر بصورة ديمقراطية تعدّدية، رغم إلقاء القبض على عددٍ من السياسيين المصريين الذين أعلنوا نيّتهم خوض الانتخابات حينها، وأبرزهم الفريق سامي عنان، وعبد المنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية الذي ما زال معتقلًا حتّى اليوم.

كنت أخرج من سجني فقط من أجل عرضي على النيابة أو المحكمة. يأخذوننا في الصباح الباكر ونعود ليلًا وقتما تنتهي جلسات تجديد الحبس الروتينية، وفي طريق عودتنا إلى المعتقل بقرارات تجديد الحبس والوجوه العابسة والألسنة المقطوعة، نتكدّس في صندوق السيارة المعدنية ونتخبّط مع الدورانات والمطبّات والفرامل المباغتة.

صندوق السيارة معتم وكئيب والشوارع مضاءة ومبهجة، تنيرها أعمدة الإنارة البيضاء والصفراء، وينعكس الضوء الضعيف المرتعش على وجوهنا من خلف الأسلاك المتشابكة والقضبان الحديدية لفتحات التهوية. تنطلق سيارة الترحيلات فتُرسَم ظلال القضبان على وجوهنا تباعًا، أشبه بشريطٍ سينمائي يعرض صورًا سريعة مشوّشة قبل بداية العرض، وإذا نظرنا إلى الخارج نكتشف أن الإضاءة لا تأتي فقط من أعمدة الإنارة، بل من صور السيسي المضاءة بدورها، ومن اللافتات الانتخابية التي تملأ الشوارع في طريق العودة إلى السجن. السيسي يبتسم والسجناء متجهّمون. هذا هو العرض الذي علينا مشاهدته قبل دخول الزنازين.

وأنا أتابع مجريات الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تذكّرت تلك اللحظات، والمفارقة أن لافتات السيسي تعلو المُدن وتنظر إلى الجمهورية السجينة بنفس الابتسامة، فمصر التي تحوّلت إلى سجنٍ كبير عليها أن تنظر خانعة في كل حين إلى صورة الفاعل الرئيس.

كيف يرى السجين صورة سجّانه؟

في منتصف عام 2020 انتقلت إلى سجنٍ جديد، وضعوني عندئذٍ في غرفة «العزل» لمدة أسبوعين، وهي غرفة خصّصوها للوافدين الجدد للتأكّد من شفائهم من فيروس كورونا قبل مخالطة السجناء. وبغضّ النظر عن عبثية الإجراء وعدم فعاليّته، إلا أنّني رأيت صورة السيسي منزوعة من ورقة جريدة ومعلّقة على الحائط في مواجهتي، استشطتُ غضبًا وتلفّظت بكلماتٍ نابية، فانزعج أحد ساكني غرفة العزل، ودارت بيننا مشاجرة ومشادّة كلامية، وتعمّد الرجل الدفاع باستماتةٍ عن الرئيس، والدعاء إليه بصوتٍ جهور بينما ينظر إلى نوافذ التهوية!

المسكين يعتقد بوجود أجهزة تنصّت أو رجال معيّنين لمراقبة ما يدور في الزنزانة، وينقلونه للأجهزة المعنية كي تتّخذ قرارها بناءً على تقارير أمنية دقيقة. لم يستوعب أنّ الأمر أكثر عبثية وهزلًا من ذلك، فيصرّ طوال الوقت على إظهار حبّه للرئيس وتأييده لأجهزة الدولة وللقوات المسلّحة والداخلية المصرية، ويلعن سلسفيل الثورة ويلعن سلسفيل الإخوان والمعارضة المدنية، وأي معارض للرئيس هو خائن أو مموّل وعميل لجهات خارجية، وعندما نتشاجر يرفع صوته بتلك الشعارات كي يسمعها المخبرون. بعد أيّام من الحبس معًا في ذات الغرفة، صار بمثابة تسليتي في وقت الضجر، فقط أنتقد الرئيس أمامه، فيبدأ اللهو.

كان رجلًا بسيطًا في منتصف الخمسينات من عمره، لا شأن له بالسياسة والعمل العام، صوفي ودرويش يؤمن بالكرامات ويبتهل إلى أولياء الله الصالحين، ويتقرّب إلى الله بخدمة المسجد. اعتٌقل عن طريق الخطأ، كغالبية المعتقلين، وعاش طويلاً في فترة الصدمة والإنكار، ولم يقتنع أن الأساس فاسد. ظنّ أنه الوحيد المسجون عن طريق الخطأ، وأنّ هذا الخطأ سيصوّبه السادة الضبّاط ووكلاء النيابة والقضاة المسؤولون، فلا يمكن أن يكون عدوًا للوطن وهو المؤيّد لكل الأنظمة التي عاصرها ولم يعاصرها، هو الذي يحب عبد الناصر والسادات ومبارك، ويؤمن بمؤامرة الثورة وعمالة الإخوان ووطنية السيسي.

لا مشكلة لديه في الشجار مع زملائه المعتقلين دفاعًا عن الضبّاط ودحض روايات التعذيب وتلفيق القضايا، ولا مانع لديه بنقل الأخبار إلى ضابط الأمن، ويرى في ذلك عملًا وطنيًا ونجاةً له من التهلكة كإثبات ولاء للوطن.

مع الوقت، سأتفهّم منطقه وتذوب البغضاء وأتعامل معه كسجين مسكين، ودرويش ساذج يؤمن بكرامات أولياء الله الصالحين، وربّما يجد في السيسي واحدًا منهم فيبتهل إليه، مع ذلك لم أفهم مشاعره. فكيف لسجينٍ أن يعلّق صورة سجّانه ويدافع عنه، لا سيّما أنّه لم يكن الوحيد الذي يقوم بمثل هذه الأفعال؟ متلازمة ستوكهولم؟ ربّما!

يحاول السجناء الاحتفاظ بصور فوتوغرافية صغيرة مهرّبة يخبّئونها من الحرّاس، لأفراد أسرتهم، للزوجة أو الأم أو الأبناء، وعندما يجرفهم الحنين ينظرون إلى الصور ويتصبّرون على قساوة المعتقل. وربما كي لا تُمحى ذاكرة الصور من أذهانهم. فكم من المألوف أن ترى سجناء سياسيين لم يروا أطفالهم ولا يعرفون أشكالهم، والأطفال بدورهم قد لا يعرفون شكل أبيهم إلا من الصور، ولا يعرفون كيف تبدو نبرة صوته. بالمقابل، هؤلاء المحرومون حتّى من صور ذويهم، مضطرّون يوميًا للنظر إلى صورة السجّان، وربّما الدفاع عنه والثناء عليه.

تتشابه هذه الفكرة في منطقها مع فكرة الأخ الأكبر التي ابتدعها الروائي البريطاني جورج أورويل في رواية 1984، حيث يمثّل الأخ الأكبر صورة الحاكم الأقرب إلى الإله الذي يعرف ويراقب ويتحكّم بكل شيء. فالسيسي موجود بكل عنفوان فوق صفحات الجرائد الأولى وأعلى قمم البنايات في الشوارع والميادين وفي الشاشات والإذاعات، تلك الصورة ليست شخصًا، بل هي فكرة تمثّل النظام الحاكم المسيطر.

كذلك ربّما يلجأ النظام، سواء عن عمد أو عن جهل، إلى فلسفة التكرار لتكريس صورة ذهنية معيّنة لدى الشعب، فحسب الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في كتابه الاختلاف والتكرار، أن التكرار ليس تشابهًا، بل هو واقع أنطولوجي، ومن هذا المنطلق يُصبح السيسي حقيقة وجودية راسخة لا يمكن تجاوزها أو تغييرها أو نكرانها، تمامًا كما هو الأمر مع العادات والتقاليد المجتمعية، وحتّى بعض ممارسات الأديان، فتكرار الأفعال التي نقوم بها بشكل دائم، يرسّخها بالوجدان كأمر واقع ويحميها من الهزّات. فصور السيسي التي تملأ حيوات المصريين وتعكّر صفوهم ليست فقط دليلًا على استعراض القوة والسيطرة، إنّما أيضًا دليلًا دامغًا على الضعف والخوف اللذَين يجبران المنظومة، في كل وقت، على التكرار والتكرار والتأكيد على ما هو مؤكّد.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
إسبانيا وألمانيا تُعلنان تفكيك شبكة مدّت حزب الله بقِطَع للمسيّرات
مروان خير الدين ممنوع من السفر
انقلاب ماكروني ديموقراطي على نتائج الانتخابات الفرنسيّة 
حدث اليوم - فلسطين الأربعاء 18 تموز 2024 
شادن فقيه لن تعود إلى لبنان
18-07-2024
تقرير
شادن فقيه لن تعود إلى لبنان
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 18/7/2024