دراسة طوفان الأقصى
مصطفى علي

مثليّو العالم، والنضال ضدّ غسيل إسرائيل الوردي

27 كانون الثاني 2024

في تشرين الثاني الماضي داخل قطاع غزة، نشر الجندي يوآف أتزموني صورته وهو واقف على أنقاض أحد الأماكن في القطاع. في الصورة، يرفع الجندي الإسرائيلي العلم المسمّى بعلم «الفخر» الذي تتّخذه حركة المثليين والأقليات (+LGBTQ) في العالم رمزًا لها. وكان قد كتب عليه كلمة «باسم الحب» بالعربية والعبرية والإنجليزية، كما كتب على حساباته على وسائل التواصل الإجتماعي: على الرغم من الحرب المؤلمة، ما زال الجيش الإسرائيلي هو الجيش الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يحمل لواء الدفاع عن القيم الديمقراطية، إنه الجيش الوحيد الذي يسمح لنا- كمثليّين- أن نكون ما نحن عليه، ولذا فإنني أؤمن تمامًا بعدالة قضيتنا.  

بتلك الصورة وهذا المنشور، أدّى ذلك الجندي دوره العسكري ودوره في «معركة السرد» كذلك. ففي خضم الحرب وأشلاء الجثث في كل مكان، حاولت إسرائيل أن تُروّج لنفسها في العالم الغربي بصفتها عاصمة الديمقراطية والليبرالية، ولتل أبيب كـ«عاصمة المثليين» في العالم.

يضيف الجندي: تحت حكم حماس، كونك مثليًا يعني كونك ميتًا أو مُهدّداً بالموت، ونحن نشنّ تلك الحرب من أجل جميع المثليين الواقعين تحت قهر حماس أيضًا.

يعني مصطلح «الغسيل الوردي» (Pinkwashing) أنّ إسرائيل تُوظّف تبنّي قيم اللبرلة، في غسل دمائها وشنّها حرب إبادة وفصل عنصري بحق الفلسطينيين. وكان المصطلح  قد استُخدِم للمرّة الأولى في سياق نقد سياسات إسرائيل في التعامل مع المثليين سنة 2011، عن طريق الكاتبة والأكاديمية اليهودية الأميركية سارة شولمان التي تهتمّ دراساتها ورواياتها بقضايا المثليين. كتبت شولمان عمودًا انتقدت فيه الغسيل الوردي الإسرائيلي في جريدة نيويورك تايمز قائلة: إنّ هناك سببًا يدعونا لتسمية تبني إسرائيل لقضايا المثليين والاستثمار في حراكهم للحصول على حقوقهم «غسيل وردي» لجرائمها في حق الشعب الفلسطيني، إذ هي استراتيجية متعمدة لإخفاء الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان الفلسطيني خلف صورة الحداثة التي تدلّ عليها حياة المثليين في إسرائيل. يُعَدّ ذلك الاهتمام بقضايا المثليين جزءًا من حملة أكبر سعت فيها سياسة الدولة الإسرائيلية من أجل إعادة تسويق نفسها منذ مطلع الألفية، وهنا نحتاج إلى أن نعود إلى جذور تلك الحملة.


من أجل صورة جديدة

في كتابه «فكرة إسرائيل»، يكتب المؤرخ الإسرائيلي ما بعد الصهيوني، إيلان بابيه، عمّا يُعرَف بحملة تسويق إسرائيل من جديد، والتي بدأت في صيف عام 2005. استعانت آنذاك الحكومة الإسرائيلية بشركات تسويق أميركية، بهدف إعادة رسم صورة لإسرائيل تجعلها مقبولة في وجدان، أي عقل، المجتمع الغربي، عبر مشاركته القيم الحضارية نفسها، بدلًا من الصورة التي كانت تحتلّها كدولة عسكرية، دينية، منغلقة على ذاتها. كذلك كانت إسرائيل تحاول، في الوقت نفسه، أن تدفع عن نفسها تُهمة الإبادة والعنصرية تجاه الفلسطينيين، والتي جابت صورها العالم كله في أعقاب انتفاضة الأقصى سنة 2000، لا سيما بعد نشوء حركة مقاطعة ثقافية وأكاديمية لإسرائيل (BDS) أحدثت زخمًا كبيرًا في الأوساط الغربية.

كانت الفكرة تعود إلى عام 2001 حين اشترك أيدو أهاروني، موظف وزارة الخارجية آنذاك، مع بوعز مراد، مؤسس مجموعة Insight للأبحاث الإنسانية، في إطلاق فريق مهمّته الأساسية جعل إسرائيل علامة تجارية يتم تسويقها في الأوساط الغربية. دخلت تلك الفكرة حيّز التنفيذ حين تبنّتها وزارتا الخارجية والمالية في تشرين الأوّل 2005 واستهدفتا فيها بالأساس وضع خطة جديدة للبلاد في الخارج من خلال التقليل من أهمية الدين وتجنّب أي نقاش حول الصراع مع الفلسطينيين. بعد إطلاق الحملة، خصّصت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني 4 ملايين دولار للسنتين الأوّليين وعيّنت أهاروني رئيسًا لها، على أن تتركز جهود الحملة على مدن مثل تورونتو وطوكيو ولندن وبوسطن ونيويورك. كانت تلك المُدن هي التي يتركز عليها أيضًا نشاط حركة مقاطعة إسرائيل  (BDS)، ما أشعل التناقض الثقافي والفكري في هذه الأوساط. إلا أن جهود حملة تسويق إسرائيل تركزت بشكل أكبر على طابع المرح والترفيه، فكما يورد بابيه في كتابه، على لسان أحد مسوّقي الحملة، استهدفت إسرائيل من خلال حملتها مجموعتين أساسيتين: «الليبراليون»، والشباب من سن الـ16 حتى الـ30. كما قامت إسرائيل بالعديد من حملات التبادل الثقافي الأكاديمي في الجامعات الأميركية، وحتى في المجال الديني، إذ غازلت الحركات الحقوقية للسود، من خلال إرسالها يهودًا من عرقية الفلاشا الحبشيّين، لإلقاء الخطب في كنائس الأميركيين السود.

حتى عام 2010، كانت إسرائيل قد أنفقت على تلميع، وتسويق، نفسها ما يقارب الـ25 مليون دولار، وكانت الأجواء أكثر تفائلًا من قِبل الأعضاء القائمين على تلك الحملة، حيث صرح حينها رئيس «براند إسرائيل» إيدو أهاروني قائلاً: على إسرائيل أن تؤكد بالأفعال وليس فقط بالأقوال، أنها مكان مليء بالحياة، ويجب أن تستثمر ذلك في مجال العلاقات العامة، فلقد أثبتت السنوات الماضية أن التركيز على الصراع مع الفلسطينيين، لا يفيد كثيرًا لصالح شرعية صورة دولة إسرائيل.

ما يلفت النظر أنه في العام نفسه، كان لأهاروني رأي يعبّر عن القلق وليس التفاؤل، أعلنه في مؤتمر «هرتسيليا» عام 2010 الذي جاء تحت عنوان «الفوز في معركة السرد»، والذي عُقد- كما جاء في ورقة التوصيات والخلاصات- على خلفية الآتي: إن مكانة إسرائيل الدولية حالتها يُرثى لها، حيث أن شرعية سياساتها ومواقفها وعملياتها العسكرية، بل وحتى وجودها كدولة يهودية ديمقراطية، موضع نزاع مستمر، وكما يدعي البعض، فإن شرعيتها في الخارج آخذة في التآكل، ومن الواضح أن المصالح الوطنية لإسرائيل مُقيدة بسبب عجزها عن خلق وحشد ودعم المجتمع الدولي. ورغم أن إسرائيل تتمتع بقصة جيدة لترويجها، إلا أنها لا تفعل ما يكفي لحكايتها بشكل جيد، ويتعين عليها أن تقوم بأداء أفضل في «معركة السرد» (battle of the narrative) حتى تتمكن من الدفع بمصالحها الوطنية وتحقيق أهدافها العملياتية.

من أجل الفوز في معركة السرد تلك، وجدت السياسة الإسرائيلية أن قضية المثليين وحقوقهم ربما تكون أحد أسهل الأبواب التي تُطرق من أجل الدخول إلى المجتمع الغربي وترويج صورة أخرى لإسرائيل، فزادت الحفاوة الإسرائيلية بالمثليين. 


غسيل وردي

في إطار السعي لكسب معركة السرد من خلال المثليين، قامت وزارة السياحة في إسرائيل بعقد بروتوكول تعاون بينها وبين منظمة «أجودا»، أقدم منظمة لحقوق المثليين في إسرائيل، وقد أطلقت الثانية حملة وصلت تكلفتها إلى 90 مليون دولار تحت شعار «تل أبيب، الوجهة المثالية لقضاء عطلات المثليين». شجّعت تلك الدعوة المثليين من حول العالم، للقدوم للسياحة في تل أبيب التي تسوَّق نفسها «عاصمة الصداقة للمثليين في كل العالم».استطاعت الحملة أن تحقق جزءًا لا يُستهان به بالفعل، رغم أنّها قوبلت باتهامات «الغسيل الوردي» من بعض منظمات المثلية في العالم.

ففي دراسة أعدها باحثون في جامعة «بار-إيلان» الإسرائيلية عن «سياحة المثليين»، تشير بعض الأرقام الواردة فيها إلى أي مدى كانت حملة «تل أبيب عاصمة المثليين» ناجحة في سنواتها الأولى. ففي عام 2011، قدرت بلدية تل أبيب عائدات سياحة المثليين بمبلغ 57 مليون دولار سنويًا بمتوسط إنفاق قدره 1800 دولار لكل سائح، أي أكثر من 50٪، مقارنة بالسائحين المغايرين جنسيًا. وفي صيف عام 2012، وصل ما يقدر بنحو 25،000 سائح مثلي الجنس إلى المدينة، وأنفقوا حوالي 50 مليون دولار في المجموع، بزيادة قدرها 20٪ عن الصيف السابق. وفي عام 2016، خصصت وزارة السياحة مبلغ 11 مليون شيكل للترويج لسياحة المثليين في تل أبيب، مما يؤكد دعم الحكومة الواضح. وتتوقع التقديرات الحالية وجود 50 ألف سائح مثلي الجنس سنويًا، في حين يبلغ عدد سكان المدينة 426 ألفًا فقط.

هكذا، ومنذ تلك اللحظة، بدأت العديد من المنظمات الداعمة لحقوق المثليين، تعرّف إسرائيل، وعاصمتها، أنها «عاصمة المثليين» في العالم. وقد استغلت إسرائيل مهرجان TLVFest السينمائي المعروف بـ«عيد المثليين الدولي»، والذي تحوي عروضه أفلامًا خاصة بالمثليين، كونها جعلت الحدث السنوي للمهرجان، قُبلة لصانعي السينما المثليين من حول العالم، للمُشاركة وعرض أفلامهم في المهرجان. فضلا عن ذلك، شنت إسرائيل عمليات عسكرية، ادعت أنها من أجل إنقاذ بعض المثليين المخطوفين لدى أهاليهم الفلسطينيين، بهدف تخليصهم من ذلك القمع، وهذا ما وثقته الباحثة سارة شولمان في كتابها «إسرائيل وفلسطين ومجتمع المثليين».


ابتلاع الطُعم؟

لم تكن إسرائيل بتلك الوردية التي سوّقتها عن نفسها، حيال حماية ودعم المثليين جنسيا. ففي أحد التقارير التي صدرت عام 2016، كان هناك كشف عن حالات الاضطهاد التي يتعرض لها المثليون في عاصمتهم العالمية تل أبيب، بالإضافة إلى تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه الحكومة الإسرائيلية، في إبتزاز المثليين الفلسطينيين الذين طلبوا اللجوء والحماية في إسرائيل، للحصول على معلومات منهم. وعلى جانب آخر، تجلى هذا التناقض والكذب الإسرائيليان في مواجهة مهرجان TLVFest تهديدًا بقطع تمويل وزارة الثقافة الإسرائيلية عنه عام 2013 حين رأت الوزارة أنه يبث رسائل تقوض شرعية الدولة اليهودية من خلال تقديم أفلامًا عن السلام تُدين حروب إسرائيل بشكل غير مباشر.

وفي المدن التي استهدفتها حملة تسويق إسرائيل، كان المثليون أنفسهم هم من قاد حملات ضد إسرائيل لردعها عن استغلال حقوقهم لتبييض صورتها. فقد نشأت العديد من الجمعيات المثلية في العالم، كجمعية «مثليو الجنس ضد الفصل العنصري في كندا» (QUAIA)، إذ أسهمت بدور كبير، في إعادة تقديم القضية الفلسطينية للشعب الكندي، وفقًا للسردية الفلسطينية، وليس السردية المُتصهينة التي تروجها وسائل الإعلام الكندية والأميركية طيلة الوقت.

كذلك في عام 2021، وردًا على مهرجان المثليين السينمائي في تل أبيب، تأسست مؤسسة «سينما مثلية من أجل فلسطين» (OCP)، والتي كانت وظيفتها أن تحض المثليين على مقاطعة مهرجان تل أبيب السينمائي للمثليين، بوحي من المُخرج السينمائي جون جريسون الذي كان قد قاطع مهرجان تل أبيب في عام 2009، بعد أن رفض عرض فيلمه «شجر التين» في المهرجان في الوقت الذي تُمطر فيه طائرات إسرائيل قطاع غزة بالصواريخ. وعلى غرار جريسون، كان هناك العديد من السينمائيين الذين نجحت المؤسسة بالفعل في استقطابهم، فضلًا عن مقاطعتهم المستمرة للمهرجان الإسرائيلي، الأمر الذي جعل المهرجان مهددًا بالإغلاق ويواجه صعوبات في تنظيم دورته سنة بعد أخرى لولا بعض التبرعات.

ومع أحداث السابع من أكتوبر، أقام مهرجان OCP دورته الجديدة يوم 4 كانون الأول وافُتتح المهرجان ببرنامج أفلام قصيرة تحت عنوان «لا فخر بالإبادة الجماعية» (No Pride in Genocide) بيعت تذاكرها بالكامل في لندن، ومدلول هذا أن إسرائيل قد فشلت حتى في اجتذاب الجماهير في عاصمة واحدة من أكثر الحكومات دعمًا لسياساتها العنصرية، والإبادية المستمرة.

ربما تُواجه إسرائيل في أعقاب السابع من أكتوبر أخطر حالة من تراجع شرعيتها وانحسار مسعاها في كسب «معركة السرد». فمثلًا، بعد أسبوعين من أحداث السابع من أكتوبر، نشر أحد التقارير التي ألمحت إلى ان إسرائيل أنفقت خلال الأسبوع الأول من الحرب 8 ملايين دولار مراهنة كعادتها على سلاح المعلومات والإنترنت حيث روجت صورة عن حماس كقتلة للأطفال وخلافه من الصور التي استنفرت الساسة الأميركيين والغربيين. وكانت تلك الملايين من أجل ترويج تلك المعلومات التي استهدفت، على وجه التحديد، «السوشيال ميديا» الأوروبية.

لكن في مقابل ذلك، شهدت الميادين والعواصم الغربية العديد من التظاهرات بأعدادٍ غير مسبوقة بغرض دعم فلسطين وإدانة العدوان الإسرائيلي على غزة، حرّكتها أطياف مختلفة من المجتمع، كان أبرزها الحركات التي نُظمت تحت اسم «مثليون من أجل فلسطين» (Queer for Palestine). وعلى المستوى الرسمي، أصبحت مواقف بعض الحكومات الغربية وأعضاء الأمم المتحدة أكثر شدة، وأقل تعاطفًا، مع ما تفعله إسرائيل، بل وتسمّيه، بجريمة حرب، أو حرب إبادة. وتكلل ذلك بإتهامات دولة جنوب إفريقيا لها بأنها ترتكب جرائم إبادة في محكمة العدل الدولية.

لم تعد إسرائيل، ولا سيما في حربها الحالية على غزة، قادرة على تغطية جرائمها من خلال «علم قوس قزح» حاولت أن تستخدمه كفزاعة أخرى مماثلة، إلى جوار تُهمة «معاداة السامية». فبعد عقدين من الزمن، أي منذ أن بدأ التفكير في تسويق إسرائيل نفسها بصورة جديدة، ديمقراطية وليبرالية، ذات روح ريادية وترفيهية، اتضح أنها تعيد إنتاج صور الخراب والتدمير والقتل، في حق الشعب الفلسطيني، صور باتت تملأ وسائل التواصل الإجتماعي.

آخر الأخبار

اجتياح رفح 
الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه
إسقاط 3 مسيّرات في أصفهان