أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان

باتت السياسةُ في لبنان جزءاً من حياتنا الحميمة.

صارت تتسلّل إلى مناماتنا، وتستحوذ أحياناً على عقولنا ونحن نأكل أو نتغوَّط. التفكير فيها أصبح هاجساً يستبدّ بنا يوميّاً، مثل التفكير في الجنسِ أو العملِ أو المرضِ أو الحبِّ أو الموت. أمّا السبب، فليس إدراكنا الفُجائي لمدى تغلغل السياسة في ما يُعدّ عموماً حيّزاً شخصيّاً محضاً – ليس نحن مَن دنا منها، ليس نحن مَن لحظ تسرّبها إلى كلّ شيء. السبب هو أنّها اقتحمت حيواتنا جهاراً، وبعنف رهيب. ولم تُغادرها. عشعشت فيها، وراحت تنسج خيوطها العنكبوتيّة حول أبسطِ أفعالنا اليوميّة وأتْفهِها.

قد يظنّ قارئُ السطورِ السابقة أنّنا نعيش في نظامٍ شموليّ تفرض فيه الدولةُ سلطتَها على كلّ جوانبِ حياة رعاياها، في الحيِّزَيْن العام والخاص على حدٍّ سواء. لكنّ الحال ليست كذلك في بلدنا، حيث نظام الحكم لا يمت بصلةٍ إلى الشموليّة. دولتنا لم تحاول توسيع نطاق سلطتها. ما حصل في لبنان هو نكوص السياسة إلى أحد أشكالها البدائيّة: فهي لم تعد ترتبط حقّاً بتسيير شوؤن الدولة والمجتمع (ولو بكثير من التقصير)، بل تقهقرت إلى ذاك الحدّ الذي يفصل بين قابليّة المجتمع للحياة من جهة، وتحلّلِه وتذرّرِه وفنائه من جهة ثانية.


ثمّة ركائزٌ لا يستوي المجتمعُ من دونها كياناً سياسيّاً. ثلاثٌ من هذه الركائز آخذةٌ في التآكل في لبنان:

  • الملكيّة الخاصة.
  • شعور الأفرادِ بحدٍّ أدنى من الأمان الجسدي، أي اطمئنانهم، ولو توهُّماً فحسب، إلى أنّهم لن يموتوا ميْتةً عنيفة.
  • قدرة هؤلاء الأفراد على توقّع شيءٍ من المستقبل بغية التخطيط لحيواتهم.

في لبنان، تبخَّرت الودائعُ المصرفيّة: أي أنّ ما يمكله الفردُ بحكم القانون قد لا يكون له في عالم الواقع، وإنّما لغيره.

في لبنان، انفجرت في مرفأ العاصمة مئاتُ الأطنان مِن مواد بالغة الخطورة كانت قابعةً هناك منذ سنوات كثيرة وبعلم كبار المسؤولين السياسيين والإداريين، ما أدّى إلى مصرع أكثر من مائتي شخص وإصابة الآلاف وتشريد مئات الآلاف: أي أنّ الفرد بات عليه بذل جهد هائل لكي يتناسى أن الموت العنيف يتربَّص به على الدوام.

في لبنان، دخلنا دوّامةَ التضخّم المفرط فانهارت قيمةُ العملةِ المحليّة واستمرّت تنهار ولا أحد يدري متى تتوقّف عن الانهيار: أي أنّ الفرد الذي لا يتقاضى أجراً بالدولار أصبح عاجزاً تماماً عن التكهّن بما ستكون قدرته الشرائية بعد أسبوعَين أو حتّى أسبوع واحد فقط، فصار لا يُبصِر شيئاً مِن مُستقبله – وكيف له ذلك وهو يجهل ما إذا كان أجره سوف يكفيه ثمناً لطعام أم لا، وهذا إن لم يكن أصلاً بلا عمل ككثيرين في لبنان؟


هذا هو الدرك الذي بَلَغَته السياسةُ عندنا.

كلّ شيء آخَر، مِن تغريدات وزير الصحة الذي يتمنّى لو أنّه وُلِد أديباً، مروراً بذاك المسلسل التلفزيوني التافه والرخيص مِن بطولة عون والحريري، ووصولاً إلى الخطابات الدوريّة الحاقدة التي يُسمِّم بها أرواحَنا حاكمُ لبنان الفعلي حسن نصر الله… كلّ شيء آخر ليس سوى قشور.

كأنّما السياسيّون بقوا عالقين في زمن ما قبل الانهيار. وكأنّما كلامهم يصلنا من ماضٍ بعيد. وكأنّما باتوا لا يتعاطون السياسة، إذ أنّ هذه الأخيرة قد تحوَّلت وعادت إلى أحد أطوارها البدائيّة فصارت مرادفةً للعيش في ذاك البرزخ ما بين الحياة والموت المُجتمعيَّيْن.

والعيشُ هذا لا يُحتمَل، والتأقلمُ معه جدّ عسير، إن لم يكن مستحيلاً. ذلك أنّه عيشٌ في عالمَيْن مُتضادَّيْن في الوقت عينه: عيشٌ في كنف الاجتماع البشري وخارجه في آنٍ واحد. والمُرعِب أنّ الوضعَ هذا قد يطول إلى أجل غير مُسمّى، فتبقى مصائرُنا إذّاك مُعلَّقةً بين عالمَيْن لسنا ندري في أيٍّ منهما تَمضي حيواتُنا.

استحالت السياسةُ، بمعناها البدائيّ، المُؤثِّرَ الرئيس على أحوالنا النفسيّة. هل ما أملكه هو حقّاً لي؟ هل يتمزّق جسدي وأنا جالس على كرسيّ قرب النافذة؟ هل تُقلَب حياتي رأساً على عقب بعد شهرٍ أو أقلّ فلا أعود أتعرّف عليها؟ إنّها أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسانُ على نفسه يوميّاً. أسئلةٌ ينبغي على العيش في مجتمعٍ بشريّ أنّ يُنسينا إيّاها. لكنّها الأسئلةُ التي صرنا نطرحها ونحن نأكل أو نتغوَّط. نطرحها على أنفسنا على الدَّوام، كأنها نغمة رتيبة تشبَّثت بأذهاننا مستحوذةً عليها كالوسواس، نغمة لا تنفكّ تتكرّر وتتكرّر، حتّى عندما لا نُصغي إليها.

إنّها حالةُ جنون خالص. لكنّ المجتمع هو مصدرها وليس الفرد. مجتمعٌ مجنون، حيٌّ ونافقٌ معاً، ويُذيب معاني الأشياء. صار الفرد يشعر بأنّ حياته الخاصّة لا وزن لها أمام هذا الوحش الاجتماعي الآخِذ في التحلّل. صار يشعر بأنّ لا حياةَ خاصّةَ له، إذ أَدرَك وهو يشمّ رائحةَ تعفّن الوحش، أنّه لم يكن يوماً سوى خليّةٍ من خلاياه، نُتفة مِن لَحْمِه المُترامي الأطراف. أَدْركَ لا بل تذكَّر أنّه حيوان سياسي. وأنّ لا حياة له خارج السياسة. وتذكّر أيضاً النعيمَ الذي كان يعيش فيه سابقاً، حين لم تكن السياسة تهديداً مُستمرّاً بالفناء، فكان يقدر على نسيانها لبعض مِن الوقت: كان لديه آنذاك حيِّز خاصّ به، عالمه الحميم الذي لا تقتحمه السياسة. تذكَّرَ كم كان جميلاً جهلُه بمدى هشاشة ذلك العالم.

مــــــلــــــف
قلــق السيـاســة

يعاين ملفّ «قلق السياسة» تداخل عالم السياسة بعالم النفس، من خلال عدد من النصوص، ترسم معالم قلق جماعيّ.

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج
الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد
خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل
الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون
هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور
ليس للصحراء هنا بداية ولا نهاية، فاطمة فؤاد
تناقضات الشخصية المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد
أبي طريح فراش الموت: تحليل نفسي- نظري للطائفيّة، ناديا بو علي
رأس مال قلق، غالية السعداوي
عن بابٍ فتحتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

تم نشر الملف في 10 نيسان 2021.


جدرانٌ تشفي

فأضفنا إحصاء حالات الكورونا والوفيات إلى إحصاء الأدوية المقطوعة والقطاعات المهدّدة بالزوال، وإحصاء الأصدقاء والزملاء المهاجرين، وإحصاء انخفاض سعر صرف الليرة، وإحصاء عمليات السرقة الممنهجة لأموالنا

الشارع بين المقاومة والانهزام

فكان علينا أن نتصدّى، إلى جانب عنف الأجهزة الأمنية المباشر، لعنفٍ من نوعٍ آخر، أو ربما كان من النوع نفسه. هو ذاك العنف الناتج عن التحرّش واستباحة أجسادنا، أكان من قبل عناصر القوى الأمنية أو غيرهم