اتفاقيّة السلام كما يراها العهد

كأنّ إعلان اتفاق تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل لم يكن. لم تنتفض الشعوب العربية، ولم تجتمع جامعة الدول العربية، ولم تحاصَر السفرات حول العالم. تمّ الإعلان عن الاتفاق، ثمّ عادت الحياة إلى طبيعتها. فلم نسمع خطابات التخوين التي رافقت أول اتفاقية سلام في نهاية سبعينات القرن الفائت، كما لم يخرج أحد ليهلّل لعملية السلام بعد انتهاء الحرب الباردة. جاء هذا الإعلان «تقنيّاً»، كتتويج لعملية تطبيع باتت معروفة من الجميع، ومن بين أهدافه التعاون لمحاربة وباء الكورونا. أصبحت قضية العرب المركزية أقل أهمية من عملية التباعد الاجتماعي وصناعة الكمامات الوقائية.

لم يكن الوضع مختلفًا في لبنان. فاستقبل «الوكيل الحصري للقضية» خبر الاتفاقية بازدراء مفتعَل، مفاده أنّه لن يعارض هذه الاتفاقية. فبعد اتهام بعض الأنظمة العربية بالعمالة لأميركا واعتبار الاتفاقية خيانة لفلسطين، اعترف حسن نصر الله بحدود ردة فعله: إذا لم نستطيع القيام بشيء بيدنا ضدّ هذا المنكر، علينا أن ننكر باللسان. فأنكر باللسان وختم المقطع القصير عن الاتفاقية بمحاولة للنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس: عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، عندما تصبح صفوف الأمّة نقيّة نظيفة هذا أمر جيّد. فعلى ما يبدو، هناك حسنة للاتفاقية وهي تطهير صفوف المقاومة من آل نهيان.

لم يكن باستطاعة نصر الله القيام بأكثر من ذلك، فهو يدرك أنّ حكومته القادمة ستحتاج إلى مساعدات الخليج الذي سيمضي بمسار التطبيع. فبقاء «لبنان المقاوم» ما زال مشروطًا بأموال الخونة لكي يستمرّ بصموده. بيد أنّ مصائب حزب الله لم تكن إقليمية فحسب، بل داخلية أيضًا. فقبل بضعة أسابيع، بدأت حملة داخلية تطالب بحياد لبنان، أظهرت مدى سقوط فكرة المقاومة «حسب حزب الله» عند اللبنانيين. حتى «الرئيس الغطاء» لم يستطع الإجابة على سؤال إمكانية السلم إلّا بعبارة حسب، التي فضحت رغبة «العهد الممانع» بالتفاوض مع الدول الغربية.

لم تمرّ أكثر من ساعات حتى خرج صهر الرئيس ليقدّم مطالعة تفسّر عبارة عمّه. ففي خطاب لمناصري حزبه القلقين، طمأنهم باسيل بأنّ هناك اتفاقًا وشيكًا بين الولايات المتحدة وإيران، واستنتج أنّ «هذا الاتفاق مع اتفاقات السلام الفرديّة الآتية ستؤدّي لرسم معالم شرق أوسطيّة جديدة». فيصعب على الحليف المسيحي الخائف أن يعارض اتفاقيات سلام كهذه. ولم يجد باسيل تطمينًا لمناصريه إلّا إدخال كل التطورات القادمة في سلّة واحدة، مفادها أن الجميع سيتصالحون ليؤكدوا صوابية موقف التيار.

بالنسبة للعهد، يبدو إعلان الاتفاق كأنّه لم يكن.
بالنسبة لنصرالله، هو مجرّد تطهير إضافيّ للصفوف.
بالنسبة لغطائه المسيحي، هو بداية مصالحة بين الجميع، وفي وسطها التيار الوطني الحر، كممثّل الغرب في الشرق والشرق في الغرب.
المهمّ للعهد هو أن يمنع أي ترجمة داخلية لهذا التطوّر الإقليمي. فهو مدرك أنّ ابتزازه الإقليمي بات بضاعة فاقدة للصلاحية. هذا الابتزاز القائم على مقاومة علنية وتفاوض من تحت الطاولة على التحالف مع حزب الله وتطمين الغرب منه، كما على محاربة الغرب والتنسيق الاستخباراتي معه. هذا الابتزاز هو ما تعلّمه العهد جيدًا من النظام البعثي الذي أبدع باستغلاله كمصدر رئيسي لاستمراره. لكنّ الابتزاز انتهى، وبقي العهد مع بضاعته الكاسدة، يحاول بيعها لغرب لم يعد يبالي به.

ربّما الأهم، وهنا المأساة، أنّ هذا النقاش يدور بمعزل عن القضية الفلسطينية. فخارج النكران باللسان، لم تبالِ الأنظمة المطبّعة أو الممانعة والمستنكرة بالفلسطينيين. السلام قادم وكلا المعسكرين راكض إليه، عارضاً أجهزته وصواريخه و«مشرقيّته» في المزاد العلني، لعلّ هذا السلام يُترجَم ببضعة مخاتير من هنا أو بعضٍ من المساعدات من هناك.

حتّى الاستسلام يحتاج إلى جدّية أكثر من ذلك.