الانفجار الذي فضح النظام

«الصدفة» كلمة بلا معنى في سياق التحقيق في جريمة.
يمكنها أن تكون إحدى نتائج التحقيق، إذا لم يتمكن القاضي من اكتشاف علاقات سببية تربط بين الأحداث والجريمة. ولكنها بالتأكيد ليست نقطة انطلاقه. بالعكس، التحقيق يبدأ بالشكوك، والشكوك تلد من تكاثر «الصدف».


هذا ما نعلمه حتى الآن:

  • اعتمد النظام السوري منذ العام 2012 على شبكة عالمية لتهريب النفط والبضائع والأسلحة تفاديًا للعقوبات.
  • تضمّ هذه الشبكة جورجيا مصدّرة النفط للنظام، ومصدر نيترات الأمونيوم.
  • ضمن هذه الشبكة ايضًا، رجال اعمال سوريين روس: مدلل خوري وعماد خوري وجورج حسواني، وشركاتهم المسجلة في العنوان نفسه لشركة «سافارو» التي اشترت النترات.
  • هناك مصرف في قبرص، «FBME»، أحد عملائه، عيسى الزيدي، متهم بتأمين بضائع لمركز تطوير أسلحة دمار شامل للنظام السوري.
  • المصرف نفسه أقرض 400 مليون دولار الى الشركة التي تملك باخرة «الروزوس» التي نقلت النترات إلى لبنان عام 2013.
  • أحد أكبر عملاء المصرف، مدلل خوري، متّهم بمحاولة إدخال النترات إلى سوريا العام 2013.
  • هناك تحويلات مالية تربط بين الشركات التي تشكل واجهة للنظام السوري في مصرف الـ«FBME» وبين شركة حسواني التي تختبئ (بالصدفة) خلف عنوان «سافارو». وهذه التحويلات حصلت في الفترة الزمنية نفسها التي تمّ فيها شراء النترات عام 2013.
  • نيترات الأمونيوم يستخدم كمادة متفجرة في براميل النظام وفي أسلحته الكيماوية.
  • كمية النترات التي انفجرت في بيروت هي، بحسب الخبراء، أقل من الكمية التي وصلت الى لبنان.
  • لبنان في وسط هذه الشبكة.

أمام هذا الكمّ الهائل من الصدف، نصبح أمام رواية متكاملة تملك كل المقومات لتشكل ارتياباً مشروعاً.

فرضيتنا مبنية على تحويلات مصرفية، وأسماء متكرّرة تظهر على طرف كل خيط متّصل بنيترات الأمونيوم ودوافع واضحة وسوابق معروفة. كما هي مبنية على غياب أي معلومات تدلّ إلى طرف آخر. أمام هذه المعطيات الموثّقة، لا يمكن أن نضع الحديث عن «صدف» إلا في خانة التعتيم على الأدلة وعرقلة التحقيق.


للمشككين، نقول هناك طريقة وحيدة لمعرفة إذا كانت هذه المطابقات صدفاً فعلاً: التحقيق.

لكنّ السلطة قتلت التحقيق.

وهذا دليل آخر، نضيفه إلى قائمة الصدف.

ما كاد القاضي فادي صوان يوجه الشك الى مدلل خوري وعماد خوري وجورج حسواني حتى تم عزله عن ملف الانفجار، بناءً على طلب من وزراء متهمين بالإهمال والتقصير. طالب المتهمون بمعاقبة القاضي، والنظام اللبناني استجاب. نغمة معروفة، ولم نتوقع العكس. تطلب منا السلطة أن ننتظر التحقيق ثم تعرقله. تجتزئ الدستور وتختبئ خلف قوانين الحصانة لتبرّر تمرّدها الفاضح على العدالة. انفجار المرفأ بالنسبة لها ليس الا جريمة أخرى عليها أن تدفنها مع باقي الجرائم التي سبقتها وتلتها. الفرق انها جريمة كبيرة، تتطلب مسرحية اكبر، لكنّ نهايتها تبقى معروفة: ستائر مغلقة ومجرم مجهول.


شاءت الصدف أن أكون في شارع مار مخايل لحظة وقوع الانفجار، وبالصدفة أيضا نجوت.

لكنّ الانفجار لم يغيّر مستقبلي فحسب، بل شوّه الماضي أيضاً. أنظر إلى صوري القديمة مع الأصدقاء في بيروت قبل الانفجار، فلا أرى ذكريات ولا أصدقاء ولا فرح. كل ما أراه هو أغبياء. أطفال يتصورون ويفرحون ولا يعلمون أنهم يعيشون حياتهم على ظهر وحش ينام في مرفأ، وينتظر اليوم الذي سيستيقظ فيه ويقتل.

انفجار المرفأ فضح حقيقة لبنان.

لبنان ليس بلداً أو مجتمعاً أو ذكريات أو رفاق طفولة. هو مجرّد محطّة صغيرة في شبكة عالمية تقتل أبرياء لتحتفظ بالسلطة. هو معبر للنفط الذي سيشغّل الطائرات الحربية، ومسلك مفتوح للمادة المتفجرة في البراميل التي يرميها الأسد على منازل ومستشفيات الشعب السوري.


ماذا نفعل الآن؟

إن عجز القضاء أمام وزير في لبنان، لن يقترب من المجرم الأكبر. وفي غياب كل أشكال المحاسبة القانونية عبر المؤسسات، علينا أن نواجه هذه «الحقيقة المرّة»، ونبحث في طرق للمحاسبة لا تتقيّد بهذه المؤسسات أو تكون محصورة بها.

لم نعد أغبياء. لن ننتظر تحقيقات لن تأتي أو قضاءً لن يتحرّك.
إذا كانت العدالة الوحيدة المتاحة لنا اليوم هي بالبحث عن المجرمين وفضحهم، فهذا ما سنفعله.
فبعدما قضوا على كل شيء، لم يبقَ لدينا سوى الوقت، هذا الوقت الطويل الذي لم يعد مرتبطاً بتحقيق أو محاسبة أو قضاء، وقت طويل للتعمق في جرائمهم، وقت طويل بانتظار محاسبة ما أو انتقام.

القاضي والتدخّل المشروع: فرضيّات تدين حزب الله

ملف انفجار المرفأ سيتمّ طمسه«محسوباً عليهم»دور حزب الله الإعلاميتورّط الحزب بطريقة ماكان اعتداءً إسرائيلياًخطاب ضدّ «الفساد»، متمسّك بالنظامنزاهة التحقيقعدالة المتّهم الذي يصدر قرار الحكم على نفسه

القاضي المجهول والشامكس المهترئة

أظنّه مسيحيًا، لكنّني لست متأكدًا نبيه برّي واقف عمحطة الوردية يأخذ خوّات من الناس «عرقلة قانونية» موجودة في هوامش تلك النصوص الدستورية فهو مجرّد اسفنجة، خلقوها لامتصاص وسخهم ربّما كان على دياب التفكير جديًا بالهرب لعنةً تحوم فوق أي استرجاع لهذا النظام