الحياد والحصار: خطابان تَوْأَمان

منذ أيام، يثابر البطريرك الماروني على التبشير بمبدأ الحياد، محاولاً خلق حراك سياسي يلتفّ حول هذه الفلسفة في إدارة السياسة الخارجيّة للبلاد. وبالفعل، سرعان ما نال خطاب الحياد تجاوباً لافتاً لدى العديد من الأوساط السياسيّة، خصوصاً وأنّ ثمّة تصوّراً شائعاً في لبنان يربط ما بين تداعيات الأزمة الاقتصاديّة وآثار نفوذ حزب الله وسطوته على الحكومة، وبالتحديد من جهة الآثار المترتّبة على علاقات لبنان الخارجيّة.

في الشكل، يخرج خطاب الحياد في مواجهة خطاب الحصار الذي تتبنّاه الممانعة اليوم. يريد خطاب الحياد التعامل مع الأزمة عبر ترميم علاقات لبنان مع الدول الغربيّة والخليجيّة، بينما يركّز خطاب الحصار على أهميّة الصمود في مواجهة الحصار الغربي- الخليجي، وضرورة التوجّه نحو الدول المناوئة للسياسة الأميركيّة لكسر الخناق الاقتصادي.

لكن، في المضمون، هناك تشابه في كثير من الأوجه بين الخطابَيْن، لا بل يمكن القول إنّ كلّاً منهما قادرٌ على رفد الآخر بما يدعمه من حجج.

كلا الخطابين يعتمدان منطقاً تبسيطياً في تشخيص الأزمة، من خلال التركيز على العوامل المتعلّقة بالتوازنات والعلاقات الدوليّة، مقابل تجاهل شبكات المصالح السياسيّة والماليّة المحليّة التي أدّت إلى الانهيار الحاصل، والعوامل التي تؤدّي اليوم إلى استمرار هذا التدهور. فيرى خطاب الحياد أصل البلاء في انحياز لبنان في لعبة المحاور، وذلك بحسب خطابات البطريرك الأخيرة نفسها. أما خطاب الحصار، فلا يرى اليوم سوى الحصار الخارجي كعائق يمنع البلاد من الخروج من أزمتها الراهنة. بين الخطابَيْن، تختلف طريقة التوصيف، لكنّ ربط الأزمة بالعلاقة مع الخارج هو نفسه.

هكذا يقوم كلٌّ من الخطابَيْن بتغذية الخطاب الآخر. فخطاب الحياد الذي يركّز على مهادنة الخارج لإنهاء العزلة الدوليّة، هو تحديداً ما يحتاجه أصحاب خطاب الحصار للتأكيد على وجود خناق ماليّ يهدف إلى تدفيع لبنان ثمن مواقفه السياسيّة. أما خطاب الممانعة الموتور الذي يتحدّث عن حصار ومؤامرات وتدخلات الخارجيّة، فليس سوى دلالة- بالنسبة إلى أصحاب نظريّة الحياد- إلى وجود ثمن اقتصادي لسياسات البلاد الخارجيّة المتّبعة.

تقود أزمة التشخيص في الخطابَيْن، حكماً، إلى أزمةٍ على مستوى الحلول المطروحة. فبدل أن ينظر ضحايا الأزمة إلى من يتآمر على مصالحهم لحماية مكتسبات المستفيدين من المنظومة الاقتصاديّة المنهارة، سيصبح المطلوب خوض المعارك على جبهات لا تفضي إلى أيّ تغيير في توزيع خسائر الانهيار الملقاة حاليّاً على عاتق الفئات الأضعف في المجتمع.

وهكذا، يصبح من المقبول أن يعطي البطريرك غطاءه المذهبيّ لحاكم المصرف المركزي بعد كلّ ما جرى، وأن يحذّر من المساس بالاقتصاد الحر والقطاع المصرفي حين يتمّ الحديث عن المساس برساميل المصارف، ما دامت المشكلة الفعليّة بنظر صاحب نظريّة الحياد تكمن في سياسة البلاد الخارجيّة، وليس في السياسات النقديّة والماليّة السابقة، أو المعالجات التي تمّ اعتمادها اليوم.

كما يصبح من المقبول أن يذهب الثنائي الشيعي نحو مقاربات براغماتيّة في التعامل مع الحاكم والمصارف، ومنحهم ما يريدون على طاولة مجلس الوزراء وفي مجلس النواب، رغم كل الهجوم الإعلامي الشكلي الذي قام به الثنائي على القطاع المصرفي. فالمعركة التي جرى تسويقها أمام الجمهور باتت اليوم معركةً مع حصار خارجي، لا مع شبكة مصالح داخليّة تعرقل استرداد الودائع الصغيرة والمتوسّطة وقيمة الأجور الشرائيّة.


يدرك كلّ من يتابع تطوّرات الأزمة أنّ البلاد لا تعاني من حصار ماليّ فعليّ، وأنّ مصارف لبنان لا تواجه اليوم أيّ قيود أميركيّة في ما يتعلّق بتحويل الأموال أو شحن الدولار النقديّ. حتّى في ما يتعلّق بالمساعدات الماليّة، يعلم الجميع أنّ الشروط التي جرى الحديث عنها في مؤتمر «سيدر»، أو في المفاوضات مع صندوق النقد، لم ترتبط بمسائل تتعلّق بالسياسة الخارجيّة للدولة، وما عرقلها لم يكن سوى تطورات معروفة على مستوى السياسات والقرارات الحكوميّة.

ببساطة، لا يوجد حصار، ولن يؤثّر الحياد في مجريات الأزمة بشكل جذريّ. كلّ ما يريده أصحاب هذه النظريات هو البحث عن المشكلة في غير موضعها الحقيقي.

مبادرات الخارج المقلقة

الخارج يتعامل مع لبنان بمنطق تمرير مؤتمر دعم الجيش مجلس النقد: التسليم بالانهيار زيارة بوريل

بدنا نسترجع الوقت المنهوب

معادلات الوقت انتظار فرص العمل أمام أبواب السفارات نتيجة التحقيق البضائع المدعومة نهبت الوقت واعمار الناس معه ابتداع سلوكيات تطال تعاملنا مع الآخرين ومع الأشياء والمقتنيات، ومع الزمن كذلك