ثورتنا السوريّة

في الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة السورية، نتذكّر في هذا الملف «ثورتنا السورية»، ثورة جاورناها من قرب، «هنا» في لبنان، وحتى «عشناها» إلى حدٍّ ما من خلال أصدائها وارتداداتها في يومياتنا ومخيلتنا، وحتى تاريخنا. هي الثورة السورية، ولكن في جانب صغير منها، كانت أيضًا «ثورتنا السورية»، نحن اللبنانيين الذين لم يكن لنا ثورة آنذاك.

نتذكّرها اليوم من «هنا-لبنان»، وإن عشناه آنذاك من «هناك-سورية»، حيث بات لبضعة أشهر توقيت حياتنا السياسية «هنا» مرتبطاً بتوقيت «هناك» الثائر. فالذكرى اليوم ليست مجرّد استذكار زماني، بل أيضًا مكاني، استذكار للحظة كان فيها الـ«هنا» أوسع من حدوده الوطنية الضيقة، خياله مجذوب لـ«هناك» ثائر، وعدنا، وإن كنّا خارج الحدث، بامكانية «هنا» مختلف.


اقتحمت الثورة السورية ساحتنا السياسية فجأة، وجرفت على طريقها اصطفافات سياسية مهترئة، كانت تكبّلنا بثنائيات لا مخرج منها. كنّا «هنا» بحالة من الركود، غير قادرين على تخيّل إلّا هذا القعر الذي وصلنا إليه.

فهمناها أولًا من خلال ثنائية 8/14 آذار ولكن سرعان ما تبين أن هذا الحدث أكبر من أي يتحوّل إلى مجرّد سلاح في صراع منتهٍ. حاول البعض «ركوب» الثورة السورية لبعض الوقت، ولكنّهم لاحظوا أنّها ثورة مع شعب ولاجئين وأفكار، وليست مجرّد خطوة في لعبة جيو-سياسية، صودفت أنّها موجّهة ضد عدوّهم الحالي. فسرعان ما تحوّلت «الثورة السورية» إلى كائن سياسي غير محدّد المعالم، له جماعته ومجتمعه وسجالاته وأعداؤه.

حاول البعض «ركوب» الثورة، لكنّ حزب الله اقتحمها واقتحم معها المدن السورية، تجويعًا وحصارًا وقتلًا. من حاضنة للثورة، تحوّل لبنان إلى امتداد للنظام، مقدّمًا نظرية تحالف الأقليّات لتبييض صفحة النظام، ورجال المقاومة لحماية مدنه، ونظامه الاقتصادي لكسر حصاره. بات «الهنا» و«الهناك» ممزوجين باقتصاد موت وقتل، يمتدّ من الزبداني إلى انفجار مرفأ بيروت.


مع تطبيع نظام القتل، تحوّلت الثورة إلى كائن غير محدّد سياسيًا، أو عالم غير محدّد المعالم. فتحوّلنا إلى جماعة «الثورة السورية»، أناس تجربتهم السياسية الأساسية جرت «هناك»، بعيدًا عنهم. جماعة لا ترجمة سياسية لموقفها إلّا التذكير بأنّ هذا الحاضر هو حاضر من القتل والعنف، بأنّ تحت التسويات والتبريرات، هناك مجازر وتهجير وقتل.

كان ذلك قبل اندلاع الثورة اللبنانية، والتي أعادتنا من دون أن ندري إلى آذار 2011، سواء من خلال الشعارات المستوحاة من الحدث السوري أو عند التقاء رفاق سوريين في شوارعنا الثائرة، أو من خلال هذا الإحساس بالجديد المتكرّر.

فللبعض منّا، كان هذا الجديد دائمًا يأتينا كارتداد من ماضٍ لم نعِشه، كحماس تخيّلنا أنّه جاب شوارع حمص، أو اندهاش تجاه اكتشاف ريف دمشق، أو حلم ثوار حلب. وذنب… ذنب أمام قمعنا «اللطيف» مقارنة ببراميل الأسد وسجون التعذيب وسياسات التجويع والتهجير والمجازر… ذنب من بقي قيدَ الحياة بعد الثورة السورية.

فكلّ شيء بات لطيفًا بعد سوريا.

لم تكن الثورة اللبنانية استكمالًا للثورة السورية، بل جاءت لتؤكد أنّ لا تسويات ممكنة في هذه البقعة من الأرض. أطاحت عهد منتصري «الحرب السورية» وأعادتهم إلى ما حقيقتهم، حفنة من القتلى واللصوص. لم تنتصر سياسيًا، مهما كان يعني هذا التوصيف، ولكنّها وضّحت الأمور: النظام اللبناني السوري نظام لا يحكم إلّا الخراب.


لم يكن هذا التحاكي أو التداخل مجرّد نتيجة للقرب المكاني أو الزماني لهذين «الهنا» و«الهناك»، أو خلاصة تاريخ متداخل ومتشارك. كان أيضًا مفهومياً، سجالياً، نظرياً، وكأنّ المكانين باتا يعبّران عن حساسيّتين سياسيّتين مختلفتين.

فتجاورت «الثورة السورية» وأحلامها مع «التحذير اللبناني» الدائم، هذا التحذير من حتمية الانقلاب الطائفي على أي مشروع تغييري. تجاور أخذ شكل سجالات بين رفاق الصف الواحد، قبل أن تنقلب الأدوار. فتحوّلت سوريا إلى «تحذير» للثورة اللبنانية، بعدما باتت «تحذيرًا» لأيّ ثورة. فبدأنا، في أعين رفاقنا السوريين، نلتمس خوفهم على ثورتنا، كما استشعروا من قبل، ربّما، خوفنا على ثورتهم.

رغم خصوصيات المكانَيْن، باتا مع الوقت تجربة مشتركة بعض الشيء، تشكّل مادة للتفكير في التغيير السياسي والخيار الثوري والحدود الطائفية والخطابات الراديكالية وغيرها من المواضيع. أو على الأقل، هكذا أردنا «ثورتنا السورية»، كمخرج من استثنائيّتنا اللبنانية وبوابة نحو عروبة مختلفة، خارج العفن القومي العربي.

فمع سوريا الثائرة، عدنا عرباً، ضمن خارطة جديدة من التضامن الثوري، وبات لدينا، وإن لم نلتقِ بهم بالضرورة، رفاق في مصر وسوريا وفلسطين و… (واليمن والبحرين، لطمأننة جماعة «لماذا لا تتكلمون عن…»). قد تكون خريطة مهزومة سياسيًا، لكنّها هنا، تؤمّن «هناكًا» يخرجنا من قوقعاتنا «الوطنية».


لم تكن «ثورتنا السورية» مجرّد حدث سياسي، بل شكّلت أيضًا إعادة اكتشاف لمجتمعَيْن، بقيا أسيرَيْ خطابات معلّبة، إن لم تكنْ عنصرية. فكُتِب الكثير عن إعادة اكتشاف المجتمع السوري بعد الثورة، من تحت أنقاض النظام السوري ومؤدلجيه المحليين والدوليين، وقد يكون هذا من «انتصارات» الثورة التي لا عودة عنها، مهما حدث في السياسة.

لكنّنا لم نكتشف سوريا فحسب، بل اكتشفنا أيضًا لبنانًا آخرًا، أو على الأقل لبنانًا آخر ممكنًا.

إكتشفنا مشتركًا جميلًا كان قد قُمع تحت مقولات البعث وعنصرية «معترضيه- حلفائه» في لبنان، ليعود ويغذّي، وإن للحظات قليلة، علاقات عابرة للحدود. وأعدنا اكتشاف مدننا من خلال أعين الوافدين الجدد إليها، إعادة اكتشاف لجمالها ببعض الأحيان ولقساوتها معظم الوقت. وأعدنا اكتشاف جوانب من تاريخنا، المشترك بطرق مختلفة عما اعتدنا عليه بعد عقود من هيمنة النظام البعثي. ربّما كانت طرابلس مختبر هذا الاكتشاف، لنعيد اكتشاف هذه المدينة، التي لم تتعب مع كل حدث سياسي من إعادة اختراع نفسها لتجد نفسها مجدّدًا خارج الإجماع اللبناني.


نتذكر «ثورتنا السورية» في هذا الملف، مدركين أن هذا الفصل من روايتها هامشي وثانوي. ولكنّه «فصلنا»، نحن اللبنانيين، الذين لم نعد مجرّد لبنانيين من بعده. وللثورة، الامتنان والشكر لإخراجنا من أنفسنا.

لم نعد مجرّد لبنانيين، وبعد ثورتنا، قد لا نكون في لبنان بعد اليوم، لنلاقي رفاقنا في المهجر، ريثما يأتي هذا النهار حيث الفصول المتداخلة والمتشابكة والمتصارعة من تلك الثورات تستقر برواية لن تعود بحاجة إلى من يتذكرها. وفي انتظار هذا اليوم، سنهمس في ساحاتنا «يلعن روحك يا حافظ».

بلاد ما بين الحصارَيْن

حصار الغنّوجوقاحة الإمبرياليةلا أحد ينقذنا من هذه المخاطر إلّا السيّدطوابير النهار وعتمة الليلالغوطة الشرقية إلى حلب، مرورًا بمضايا ووصولًا إلى درعاحصارهم كان وسيبقى جريمة بحق الإنسانيةمازوت بطعم الدمّ

أنظمة 4 آب

4 آب لن ينتهي دويٌّ سمعته في 4 آب الساعة السادسة في 4 آب أحارب من يحاول أن يبقيني في 4 آب بندب مجزرة 4 آب لا أريد أن تبتلعني أنظمة 4 آب أعاد إحياءه 4 آب