صمت الحملان وأقنعة المصارف

تعود علاقة الإنسان بالأقنعة إلى تاريخ بعيد. وقد استُخدِمت منذ العصور الأولى لأغراض مختلفة، منها الاحتفاليات والطقوس الدينيّة، ومنها الحماية أو التخفّي أو الفنّ والأداء المسرحي. يبقى الهدف الأوّل والأساس من القناع هو إخفاء الهوّية بشكل كلّي أو جزئي وحجبها عن الجمهور. ولعلّ أقدم مثال على ذلك يرجع إلى اسطورة آدم وحواء حيث عمدا إلى ستر عورتهما بعدما ارتكبا الخطيئة الأصليّة.

ليس خيار ارتداء القناع طوعيّاً دائماً. ففي بعض الأوقات، يفرض القناع نفسه كما يحدث مع البشرية الآن جرّاء وباء الكورونا، فنجدنا جميعاً مقنّعين كما لو كنّا في حفلة تنكّريّة عالميّة.

لكنّ ما يميّز لبنان هو أنّ الإنسان فيه ليس وحده من يتقنّع. فالأبنية أيضاً، وعلى وجه الخصوص المصارف، تحوّلت من واجهات زجاجيّة مضيئة وعصريّة إلى علب فولاذيّة لا يخترقها النور. لا تخشى المصارف الكورونا، بل تخشى مولوتوف الثوّار، لأنّ مَن بيته من زجاج لا يسرق أموال الناس، وإن فعل، فعليه أن يبني حجاباً من حديد يستر به عورته.

تصوّر المصارف نفسها على هيئة قصّة الرجل ذو القناع الحديدي الذي سجنه لويس الرابع عشر وألبسه قناعاً فولاذيّاً ليكتم سرّه (كتبها ألكسندر دوما عام ١٩٤٧ ثم تُرجِمت للسينما عام ١٩٩٨). فهي، من وجهة نظرها، ضحيّة السياسيّين والفساد من جهة، والمواطن الحانق من جهة أخرى.

لكنّ الأصحّ هو أنّ قناع المصارف يشبه قناع الدكتور هنيبعل ليكتر في فيلم «صمت الحملان» (روبيرت ديم ١٩٩١). فالمصارف ليست ضحيّة، لأنّ من يملكها ويديرها ومن استفاد من الأرباح الطائلة ووضع السياسات وسرق المال العام ينتمون ببساطة إلى المجموعة ذاتها.

مَن شاهد «صمت الحملان» يذكر حتماً الأداء الكبير لأنطوني هوبكينز في دور الدكتور المحنّك البسيكوباتي والقاتل المتسلسل المخيف. ومَن يتابع الأخبار والإطلالات الإعلامية يرَ أنّ «الأداء التمثيليّ» للكثير من الدكاترة، الفعليّين منهم الذين يحاضرون عن الكورونا والمجازيّين الذين يمسكون بزمام المال والسياسة في لبنان، أداء كبير أيضاً لكنّه مزيّف.

القناع الحديدي الذي يلبسه هؤلاء يخيف الكلّ ما عداهم، ونحن لا نعرف ما الذي يخطّطون له، ولكنّنا نعرف تاريخهم ومنه نستشرف صورة المستقبل الذي سيكون، على الأرجح، استكمالاً للحفلة الكانيباليّة ذاتها.

لغوياًّ، أصل كلمة قناع مجهول، لكنّ بعض الباحثين وجدوا أنّ الكلمة ربّما مشتقّة من masquarade الفرنسية أو maschera الإيطالية التي، بدورها، مشتقّة ربما من ماسكراخ العربية أي «مَسْخَرَة».

متى بدأ هذا الحفل الساخر ونُزعت الأقنعة، لن يكون كوكتيل المولوتوف وحده ربّما ما يروي ظمأ السكارى. بل، وللأسف، يبدو أنّ سوائل أخرى ستسيل، وهي من النوع الذي يشتهيه الدكاترة آكلو لحوم البشر.

المصرف

تحوّلت من معابد لعقلنة اقتصادية، إلى عصابة من اللصوص غير الكفوئين. لم تكفِهم الأرباح التي جنوها بالماضي، كما لم تكفِ الودائع لإرضاء جشعهم غير المحدود. فأصبح أي تفاعل مع مصرف هو عملية سرقة، يحاول صاحبه نتش ما يمكن شفطه من عمولات

الجمهوريّة الزومبي

البنوك الزومبيالخسائر غير القابلة للإستيعابتمتص من المال العامطبع النقدلا هي قادرة على الإقتراضقيمة الأجور وهي تتهاوى