صندوق النقد: المُنقِذ القاتل

تعدّدت أسباب الانهيارات الاقتصادية والأزمات المالية الحادّة بالعالم، كلّ بلد بحسب نموذجه، ولكنّ الخروج منها يبدو وكأنّه محكوم بالمرور بوصفة واحدة عبر برنامج الصندوق النقد الدولي. فهو الذي يتدخّل «حيث لا يجرؤ الأخرون» حين يبدأ اقتصاد دولة ما بالتعثّر. يتنطّح الصندوق للإنقاذ فارضاً رؤيته وشروطها الصارمة. 
 
يتدخّل الصندوق عبر إقراض مشروط بسلسلة طويلة من الإجراءات التي يفرضها على الدولة المدينة. شروطه تلك مبنية على فهم ضيق ومؤدلَج لإعادة النموّ إلى الاقتصاد عبر فتح الأسواق للتجارة الحرّة وإزالة القيود المفروضة على رأس المال، مع التركيز على خفض النفقات، وخاصةً من خلال رفع الدعم وتصغير حجم القطاع العام وخفض الأجور والتعويضات وتقديمات التقاعد، إضافةً إلى رفع الفوائد للحدّ من تدهور سعر الصرف. هذه هي الوصفة النيوليبرالية للنموّ الاقتصادي الذي يزعم أنه قادر على الحد من الفقر تلقائياً مع تحرّك العجلة الاقتصادية وزيادة فرص العمل التي ستعود بالمنفعة لكلّ الفئات. 

لكن، في الواقع، وبعد عقودٍ من تجارب الدول مع برنامج الصندوق، تبرز المخاطر الكثيرة التي تغطّيها أوهام هذه الأيديولوجيا، والتي قد تؤدّي إلى مآسي اجتماعية في حالة خضوع لبنان لشروط برنامج الصندوق. 

فمن إندونسيا إلى مصر، تبدأ هذه الوصفة بسياسات مالية تقشُّفية ترفع الدعم عن السلع الأساسية وتزيد الضرائب وتحرّر العملة الوطنية وتخصخص مؤسّسات عامة وتعتمد على استقطاب استثمارات خارجية. تنتهي هذه السياسات بإفقار فئاتٍ عديدة من الشعب.

كانت إندونيسيا، مثلاً، أحد أبرز البلدان التي أصابتها الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا عام 1997. هرع الصندوق وقتَها لتقديم قرض يُقدَّر بـ43 مليار دولار. لكنّ شروط الصندوق أدّت إلى تعميق الأزمة، فلم يُسهم رفع الفوائد بالحدّ من هروب رأس المال ممّا أدّى إلى انكماش اقتصادي هائل وإفلاس كبير في القطاع المصرفي. كما أدّت السياسات التقشفية وإلغاء الدعم على السلع الأساسية إلى تضخّم هائل، حيث ارتفعت أسعار الكهرباء والبنزين بنسبة 70 بالمئة، وزادت نسبة الفقر من 11٪ إلى 50٪ في غضون سنة. ولعلّ الأمر الإيجابيّ الوحيد من كلّ ذلك هو توسُّع الاحتجاجات الشعبية على السياسات التقشفية والتفقيرية والإطاحة بالدكتاتور سوهارتو الذي حكم البلاد 32 عاماً. أدّت هذه التجربة إلى إعلان إندونسيا نيّتها طرد صندوق النقد الدولي وتعليق برنامجه في العام 2003. 
 
أمّا في مصر التي اقترضت من الصندوق 12 مليار دولار عام 2016، فغالباً ما يتمّ تقديم برنامجها كأبرز نجاحات الصندوق. يستند هذا «النجاح» إلى خفض عجز الموازنة، واستقرار سعر الصرف بعد توصية الصندوق بخفضه، إضافةً إلى خفض معدل البطالة الرسمي وزيادة النمو الاقتصادي العام. لكنّ هذه المؤشرات لا تعكس معاناة معظم الشعب المصري الناتجة من سياسات الصندوق مع تدهور الخدمات العامة، وتدنّي مستوى المعيشة والقدرة الشرائية بعد خفض سعر الصرف ومواجهة ارتفاع الاسعار بسبب رفع الدعم عن المواد الأساسية. 

لا تقدّم هذه السياسات المعتمدة حلاً للنموّ الاقتصادي ولا لإدارة الدَّيْن العام. فهي تحافظ على الاختلالات البنيوية من جهة، وتوقع الدول في فخ المزيد من الديون الخارجية، وبالتالي الخضوع المتجدّد لشروط برنامج الصندوق والاستمرار في زيادة سياسات التقشف لخدمة الدَّيْن المتصاعد. فعلى سبيل المثال، وقّعت باكستان في آب من هذا العام على برنامجها الثالث عشر مع صندوق النقد الدولي، في فترة الثلاثين عاماً المنصرمة. أما الأردن، فما زالت عالقة مع برامج صندوق النقد منذ 1989.  
 
كلّما توسّع واقترب الانهيار الاقتصادي المتفلّت، يزداد احتمال خضوع لبنان لبرنامج صندوق النقد الدولي. هذا الخضوع هو استمرارٌ أكثر حدّةً للسياسات القائمة منذ نهاية الحرب، وهو إعادة إنتاج لنفس الطبقة المسيطرة، وللتهميش الاجتماعي والاقتصادي. وما تفادي الانهيار عبر استبداله بمآسٍ موجعة وطويلة الأمد بالخضوع لبرنامج الصندوق إلا تعميق للّامساواة وضرب لفرصة تقديم نموذج اقتصادي بديل قائم على العدالة الاجتماعية. لكنّ السلطة لا تبحث إلا عن خلاصها، ولو على حساب الناس، وبرنامج صندوق النقد الدولي جاهزٌ دائماً لتلبية هذا النوع من الخلاص.

شو كنت عملت بالـ1975؟

جولات القتال في الطيّونةعوامل الدم والخوف والخطر الداهمالحركة الاعتراضيّة منذ الـ2011كنظام ابتزاز دائمالكوريدور أو الملجأ أو المنفىمراقبين خارجين عن مجتمعنا أو مهلّلين للقتل الدائمرعب تلامذة المدارس المحاصرينكوننا لسنا بالـ 1975

عارف ياسين، الرجل الذي أتى من تحت

وصول جاد تابت من فرنسا «بيروت مدينتي» «الخيار المهني» «نقابتي للمهندسة والمهندس» فاز جاد تابت بفارق 21 صوتاً، 4079 صوتاً لجاد تابت مقابل 4058 لنجم واحداً فقط كان يعمل في شؤون النقابة اليومية، وهو عارف