طناجرنا وشيخهم العرعور

لأمّي طنجرة مفضلة. تلك التي اشترتها من بائعة تركمانية جوّالة، آتية بحمولتها من ريف حمص إلى قرى عكار. اشترتْها في صيف حارّ عرفه العكاريون شؤماً على مواسمهم، بعكسي أنا الذي اكتشفتُ فيه المرح، فرحتُ أتنقّل في برك الماء يومياً، قبل العودة لتفقُّد ما في الطنجرة من طعام.

الطنجرة نفسها انتقلت معنا بعد انتهاء الصيف. كنا ننزح بعد صلاة الفجر الى شقتنا الشتوية في طرابلس. يضعني أهلي مع شقيقي فوق الأغراض المكدّسة على متن بيك آب أحمد عبدو، أستاذ التاريخ والجغرافيا والرياضيات في المدرسة الوحيدة بالضيعة. تودعني أمّي طنجرتها، وهي تقول بلهجتها الطرابلسية القح:
– أوعا توقّعا يا خريو. شو فهمنا؟

«الخريو» هو أنا. الصبي النحيل الذي حين كبر استخدم الطنجرة نفسها في حملة دقّوا الطناجر، طرابلس مش للسلاح في العام 2012. وتفقّدتْها أمّي ولم تجدها، فجنّ جنونها. حينها، كانت المدينة لا تزال صندوق بريد إقليمياً تُستخدَم في جولات العنف بين جبل محسن وباب التبانة أو في الأسواق الداخلية، وصولاً الى تخوم شارع المئتين. وكانت حملة «الطناجر» رمزية للغاية.

اليوم، ومع مشهد دقّ الطناجر في أحياء المدن اللبنانية، اتّصلتُ بأمّي. قلتُ لها ممازحاً: «ابعتيلي الطنجرة ع باريز». ضحكتْ. فأمّي تتماهى مع الضحك، حتى في عز أحزانها. ومن سخرية القدر أنّ هناك من ربط بين مشهد الطناجر اللبنانية والشيخ العرعور الذي ذاع صيتُه في بداية الثورة السورية. ذلك أنّ أمّي لطالما امتعضتْ من لعلعة صوت العرعور الذي كان أبي يستمع إليه في البيت.

أولئك الذين يُقحمون العرعور في الثورة اللبنانية يرون في دقّ الطناجر في المدن ذات الغالبية السنّية (صيدا وطرابلس) تأثُّراً بأفكار العرعور حول الثورات، فيتّهمون الثورة عموماً، واستمرارها في طرابلس خصوصاً، بأنها تحتضن وجهاً سلفيّاً مُضمَراً.

لكنّ طرابلس تثبت كلّ يوم في ساحة النور أنّها لم تعُد تقبل أبْلستَها، ولا اتهامها جزافاً وتحريف مسارات احتجاجاتها الطلابية والشبابية. هي مدينة تقرع طناجرها، كما في العام 2012، بشكل سلمي ضد الدولة الفاسدة وضد حيتان المال الذين سرقوها.

طناجر المدينة الشمالية المحرومة تُقرَع ضد نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي اللذين لم يؤسّسا فيها مشروعاً واحداً، وبنوا في عمق فقرها ممالكهم الانتخابية. استخدموها كما استخدمها سعد الحريري خزاناً له، وأغلق فيها مستوصفاته ومراكزه. جعلها تحصيلاً حاصلاً في جيب حساباته.

لكنّ طرابلس أثبتت العكس. وحين سقط الحريري على وقع أصوات الثائرين، لم تسقط الثورة في طرابلس، بل قدّمت المدينة خياراتها بوضوح، وكتبت على بناية الغندور الشاهقة: مستمرّون لإسقاط رئيس الجمهورية ومجلس النواب. لم تستطع أي مدينة في لبنان أن تصمد كل هذا الوقت، ومن اللحم الحي وبمبادرات أهلها من حلويات عبد الرحمن الحلاب الى فول وحمص مطعم الدنون وفراريج الصوفي مروراً بمناقيش أفران باب الرمل. مبادرات لا أموال سفارات، كما قال زعيم الدويلة حسن نصر الله.

طرابلس تقرع طناجرها لأنّه لم يعد من الممكن تقزيمها إلى مدينة أهل السنّة أو اعتبارها عريناً لزعامات تسعى لمراكمة المال غير المشروع فوق عظام الفقراء، في صفقات هنا وهناك، أو للوصول الى مناصب وتوزير زوجات. هذه مدينة تعطي دروساً في معنى الثورة وخطابها العام.

الطناجر لم تكن يوماً عرعوريّة. هذا خطاب الثورة المضادة. خطاب مشبوه للعونيين والحزب اللهيين وأنصار البراميل وصحيفة «الأخبار»، وخطاب سالم زهران الذي غرّد قائلاً: منذ 7 سنوات طلب شيخ «الفورة» في سوريا العرعور أتباعه بقرع الطناجر ليسقط النظام، واليوم للصدفة قرع طناجر في لبنان. يغيب عن بوق سفارة طهران، أنّ قرع الطناجر هو وسيلة سلمية لها تاريخ طويل، من مدن الجزائر الثائرة ضد الاستعمار الفرنسي في العام 1960 إلى الأرجنتين وتشيلي في العام 1971.

طناجرنا ليست عرعورية ولا سلفية. طناجرنا: سلمية، سلمية إلى أن يسقط عجوز بعبدا ومجلس نبيه برّي.

وماذا عن جمهور الأحزاب؟

باتت جميعها «أحزاب سلطة» محورية مع صعود تحالفَيْ ٨ و١٤ آذار لم يدُمْ الرهان على الأحزاب ماكينات حكم خط الدفاع الأول عن نظام محاصصة تستقطب من بات على حدود حزبه فهل من ثورة داخلية

في يوم من أيّام الثورة

ما عم نحضر دروسنا لنعلمكن درس على باب المدرسة وجوهاً ضاحكة التحية للسجناء الأجانب أيادٍ تمتدّ من وراء قضبان مدرسة ويرفعون إشارات النصر يضئن الشموع في وسط بيروت الناس المحيطين بك في الحيّ دليل الثورة