عن مكابرة «البيئة الحاضِنة»

أبي وأمّي مريضان، معطّلان عن العمل، غارقان في الدُّيون ولا ضمان صحّياً لديهما. أخي معطّلٌ عن العمل ومكتئب. لكنهم يكرهون الثورة، ويدافعون عن «المقاومة» كأنها الضدّ الطبيعي للثورة، ودائمًا على قاعدة «الحمد لله أننا دائمًا على حقّ».

ما سرّ هذه الثقة الانتحاريّة؟

السرّ برأيي هو بوتقة «البيئة الحاضنة» التي يتّحد فيها السياسيّ بالدينيّ بالهويّة المجتمعيّة، ليصبح كتلةً صلبةً من «الممانعة» لكلّ اختلاف، يرفده مخزونٌ عاطفيٌّ ملتهبٌ، وشروطٌ ماديةٌ تراكمت على مدى عقودٍ من الاحتلال الإسرائيلي وغياب الدولة وفسادها.

هكذا، يُصبح الدفاع عن مقام السيّدة زينب مبرِّرًا للقتال في سوريا، والخلاف السياسي مع أيّ رجل دينٍ شيعيٍّ (كالشيخ ياسر عودة مثلًا) مبرِّرًا لتكفيره، وأيّ اختلافٍ مع أحد «أبناء أو بنات البيئة» دافعًا لتخوينهم/ن وإقصائهم/ن عن «الهوية المجتمعية»، عن طريق وسمِهم بتهمة «شيعة السفارة»، أو «السَّحسَحة» لهم كي يعتذروا، أو شتمهم كفريضةٍ يوميةٍ وسرقة هواتفهم. كلّ مختلفٍ يصبح كافرًا/ عميلًا/ منبوذًا في آنٍ معًا. إنّه ترهيبٌ مصمَّمٌ ليقمع الاعتراض قبل أن يولد.


إنّها بيئةٌ عنيدةٌ وصلبةٌ بلا شك. لكنها «ممانِعة» لأيّ تغييرٍ، وإن صبّ في مصلحتها، وإن بدا خطابها الدفاعي منافيًا لأيّ منطق. فها هي فضائح حلفاء المقاومة، إن استثنينا بعض وجوه المقاومة نفسها، تتوالى فسادًا وعمالةً ودفاعًا عن العملاء و«المبعَدين»، لكنّ غضب «البيئة الحاضنة» ينصبّ على الثوّار حصرًا، وعلى مَن يكشف تلك الفضائح. هناك ذوبانٌ في العناد اللامنطقيّ في وجه أيّ طرحٍ تغييري، وإن كان ببداهة ألا ينقطع الدواء والغذاء. فأيّ تغييرٍ لا تصادق عليه قيادة «البيئة»، هو تهديدٌ لها، وهو مريبٌ ومرفوضٌ ويجب إخراسه.

هناك تيهٌ ومتعةٌ في «التضحية» و«التحمُّل» و«جلد الذات» من أجل غدٍ أجمل مؤجّلٍ دومًا كالآخرة، ومن أجل قضيةٍ كبرى يُفترَض أنها تحرير فلسطين، في وقتٍ يعيش فيه الفلسطينيون/ات في لبنان أسوأ أنواع العنصرية الممنهجة والتهميش. كل هذا التدمير الذاتي مغلّفٌ بمفرداتٍ مغريةٍ وشهيّةٍ كالعزّة والكرامة والقوّة، كما بمفاهيم دينيةٍ ذات مخزونٍ عاطفيٍّ هائلٍ كالمشهديّات الكربلائية ومحو الذات فداءً للقضية الأكبر.

وتماشيًا مع هذه السرديّة، فكل ظلمٍ يقع على «البيئة»، يقوّيها. وكلّما ازدادت مظلوميّتها، تزداد منعةً وقوةً. فيُقرأ اغتيال قياداتٍ محوريةٍ بحجم اللواء قاسم سليماني مثلًا، كإشارةٍ لنصرٍ أكبر قادم. تغدو هذه السرديّة بمثابة فقّاعةٍ عاطفيةٍ خياليةٍ تخدّر التحليل المنطقي، فتعلق «البيئة» في سيرورةٍ مقفلةٍ من المظلومية والانتصار التي تزداد بمرور الزمن التهابًا وانسلاخًا عن الواقع.

وإن كانت هذه السرديّة المشتهاة مقنعةً ومؤثرةً قبل التحرير، ثم في حرب 2006، فإنها لم تعد قادرةً اليوم على الصمود أمام اختبار المنطق والعقل في ظلّ كل الخراب الإقليمي والانهيار المحلّي. فلماذا ترغم «البيئة الحاضنة» نفسها على الاختيار بين المقاومة والحياة الكريمة؟ ثمّ كيف نقاوم احتلالًا يزداد شراسةً إذا لم نحصّن أنفسنا أبعد من الخطابات الحماسيّة، ونبني اقتصادًا ومجتمعًا متينًا؟


اليوم، لم يعُد هيكل «البيئة» يعبّر عن واقع وهموم وحاجات الناس. حججُها لم تعُد تصمد لدقائق أمام الواقع، فتلجأ إلى حججٍ مثل «المؤامرة الكونية» و«شي أكبر منّا عم يصير». لقد فتحت ثورة 17 تشرين كوّةً في السّد المنيع لـ«البيئة»، وبدا ذلك واضحًا في الأيام القليلة الأولى قبل أن تستنفر قيادة «البيئة» خطباءها وإعلامها و«رجالها» لتهدّد المعترضين وتستدعيهم إلى المخافر وتقصّ شعر الشباب و«تسَحسِح» لهم في فيديوهاتٍ مصوّرةٍ تستعرض فيه قيادة «البيئة» عنفها، إذ لم يعُد لديها ما تخسره إذا ما خسرت سطوتها على «ناسها». هكذا، تطفئ العاطفة الملتهِبة والهويّة الجَمعية المُستثارة خوفًا، كلّ إمكانيةٍ لنقاشٍ منطقيٍ أو انتقاد، لا سيّما داخل «البيئة»، وإن دلّت استعراضات القوّة البدائية تلك على خوفٍ كبير تعيشه تلك القيادات.

اليوم، تبدو «البيئة الحاضنة» في موقفٍ محرجٍ لا تُحسَد عليه بعدما شكّلت قيادتها حكومةَ اللون الواحد التي «ستُخرج البلاد من الأزمة». وكلّنا نعرف أن «الفرصة» التي تطلبها الحكومة لن تكون سوى امتداد للفشل والفساد والعجز، وشراء للوقت. لكنّ قيادة «البيئة» ما زالت تصرّ على المكابرة واستخدام قدراتها السحرية في تحويل المواقف المحرجة إلى «انتصارات»، والانهيارات إلى «تحدّياتٍ سنخرج منها أقوى». وما زالت «البيئة» تصدّق ذلك خوفًا من البديل. لكن الانهيار القادم سيبتلع الجميع، وأوّلهم «حكومة الإنقاذ» التي شابت تشكيلَها فضائحُ المحاصصة الحزبية والطائفية، وتثير مواقفُ وزرائها الضحك أو السخط.

هذا الانهيار ليس حرب تمّوز. لن يكون هناك أموالٌ سحريةٌ ولا طاهرةٌ تصل في الصناديق، لأنّ إيران وسوريا غارقتان وبحاجةٍ إلى من ينتشلهما (وإن كانتا تصرّان على خطابات الانتصار والقوة الأبدية كالعادة).

فعلامَ تراهن «البيئة الحاضنة» وقيادتها عندما تستعدي أبناء وبنات شعبها من الثوّار والثائرات؟