كلّن يعني أمريكا

في الخطاب الأوّل، حذّر.
في الخطاب الثاني، هدّد.
في الخطاب الثالث، تراجع.
أمّا في الخطاب الرابع، فـ…الموت لأمريكا.

إذا كان من خلاصة للكلمة التي ألقاها مساء اليوم سيّد العهد والأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، فهي أنّه ما من ثورة ولا حراك ولا حتّى فساد يستحقّ التوقّف عنده. هناك مشكلة داهمة واحدة هي الأزمة الاقتصادية، ومَن تسبّب بهذه الأزمة ليس إلا الولايات المتحدة الأميركية نفسها. لذلك، دعكم من شعار كلّن يعني كلّن، وعودوا إلى الشعار الذي عوّدتُكم عليه: الموت لأمريكا.

لكن، تماماً كما يفعل في رحلته إلى القدس، يتّخذ نصر الله طريقاً طويلاً ومتعرّجاً للوصول إلى هدفه. لذلك، بدأ بتبرئة حزبه والدفاع عنه عبر التمييز بين قدرات المقاومة والقدرات المطلوبة من أيّ جهة لمحاربة الفساد. لكنّ هذا التمييز التقني لم يتطرّق للمظلّة السياسية التي يغطّي بها حزب الله كافّة القوى الفاسدة في لبنان. لا بل يبدو أنّ تلك القوى باتت شريكةً للحزب في إيجاد حلّ لمشكلة مكافحة الفساد. فالخروج من المأزق يبدأ، وفقاً لنصر الله، بما اتّفقت عليه كتلة الوفاء للمقاومة وكتلة التحرير والتنمية. ولمن لا يعرف، فإنّ الكتلة الأخيرة يرأسها نبيه برّي الذي صدحت باسمه واسم عقيلته رنده كلّ الساحات.

ألم يسمع نصر الله الهتافات يا ترى؟ ألم يرَ شعار الـ51٪ على جدران وسط بيروت؟
بلى، رأى وسمع. لكنّ كلّ ذلك أحاله نصر الله إلى اختصاص القضاء. فدعا المتظاهرين إلى حمل ملفّاتهم والذهاب إلى القضاء، لتنتهي قصّة الفساد هنا. فالأزمة الاقتصادية لا علاقة لها بالفساد حقيقةً. الأزمة الاقتصادية، تماماً كالتهديدات الإسرائيلية، مصدرها واحد: أمريكا. أمريكا. قالها نصر الله صراحةً، ومن دون أن يرفّ له جفن، إنّ أمريكا هي المسؤولة عن الأزمة الحالية. حتّى المصارف وحاكم مصرف لبنان تحوّلوا فجأة إلى شركاء وُدعاء لنصر الله الذي يريد تحريرهم من الضغط الأميركي.

لكن، إذا أخذنا نصر الله على محمل الجدّ، فأين هي مسؤولية أمريكا؟ يبدو أنّ المشكلة تكمن أساساً في منع الشركات الصينيّة من الاستثمار في لبنان، وفي منع رجال الأعمال اللبنانيين من التوافق مع الحكومة السورية للمشاركة في إعادة الإعمار وفي تسهيل تصدير منتجاتنا الزراعية إلى العراق.

المطلوب إذاً هو تكرار النقلة التي قام بها لبنان على المستوى السياسي والعسكري، إلى المستوى الاقتصادي. أي، كما أصبح لبنان جزءاً من «محور المقاومة» في السياسة والعسكر، عليه أن ينضمّ إلى المحور نفسه اقتصادياً. وإذا كان الالتحاق العسكري قد حقّق الانتصار تلو الانتصار، فإنّ الالتحاق الاقتصادي سيفتح «شرايين الحياة» على وسعها، وفقاً لنصر الله.

لن نناقش الجدوى الاقتصادية لهذا الاقتراح الذي يقترب من الهلوسة الاقتصادية في ظلّ ممارسات النهب الصينيّة في أسواقها الجديدة، والثورة التي يعيشها العراق، والتي أطاحت برئيس الحكومة الذي كال له نصر الله المديح أكثر من مرّة في كلمته، وفي ظلّ إعادة الإعمار التي لن تُبصر النور قريباً في سوريا. ذلك أنّ الهدف من طرح نصر الله ليس إيجاد مخرج اقتصادي، بقدر ما هو توضيبٌ اقتصادي لخطاب حزب الله السياسي والعسكري.

أمّا الغاية من هذا التوضيب، فإعادة جمهور حزب الله والجمهور الأوسع، إن أمكن، إلى الحظيرة، أي إقناعهم بأن يشيحوا النظر عن الطاقم السياسي الحاكم، وعن مسائل الفساد والسياسات الاقتصادية المتعاقبة، وأن يعودوا إلى قبضاتهم المرفوعة وحناجرهم المُتعبة وهي تهتف: الموت لأمريكا… الموت لأمريكا.