بابا، كيف بدأت الحرب الأهليّة الثانية في لبنان؟

سألني ابني، أمس، عن مكان تواجدي يوم اندَلَعت الحرب الأهلية الثانية في لبنان، وعمّا إذا كنت قد شاركت فيها من اليوم الأوّل أم لا، وسألني أيضاً عن شعوري حين قتلتُ أوّل شخصٍ في حياتي.

فأجبته.

أخبرته عن يوميّات الحرب وعن المسكين الذي صببنا عليه الباطون وهو حَي، فصدَّق.

وأخبرته عن رَفيقي الذي نعيناه شهيداً بعدما قضى في إشكالٍ شخصي حول مشكلة ماليّة، وصدَّق.

وأخبرته يومَ دققتُ الباب على جاري لأقتله لأنّه من مذهبٍ غير مذهبي، لكنّي لم أجده فأطلقتُ النار على ابنه من باب الاحتياط لئلّا يكبر الولد ويحمل سلاحاً ضدّي، وصدّق.

وأخبرته كيف غسلوا أدمغتنا، وكيف وجدنا المبررات لحربٍ عبثية، وصدّق.

وإذ أخبرته عن أنّ الحرب الأهلية الثانية اندلعت في لبنان بسبب كوميديّ منكوش الشعر وقاضٍ عنيد، لم يصدّق!

فكان لزاماً علَيّ أن أشرح لابن التسعة أعوام كيف أنّ محوراً طويلاً عريضاً بنى جيشاً الكترونيّاً لنشر خطاب الكراهية والتحريض العلني على القتل.

وذلك بعدما أشرح له عن الجريدة التي تختار كل أسبوعٍ شخصيّةً معارضةً لتخوّنها تحت عنوان «النقد الفنّي»، ثم تدافع عن أبونا متحرّش.

وذلك بعدما أشرح له عن الأمنيّين الذين زاروا قصر العدل وحكّوا منخارهم هناك في وجه القاضي.

وكان عليّ أن أشرح أيضاً أنّ أحدهم تهرّب من العدالة فقدّم طلبَ ردّ لردّ مستشارة قاضٍ بعدما ردّت طلب الرد المقدّم ضد القاضي الذي لم يردّ طلب الرد المقدّم ضد القاضي العنيد.

وسيراً على قاعدة الـ6 و6 مكرّر- التي شرحتها له أيضاً، كان عليّ أن أشرح عن دور السفارة الأميركية في بيروت وتدخّلها في كل الملفات، وعن الحزب الطائفي الخصم الذي قدّم للحزب الطائفي الأوّل كل ذرائع التحريض والبارانويا.

وكان يجب المرور على ذكر الحصار المزعوم، والمؤامرة، وعن أنّ تسخيف المؤامرة هو جزء من المؤامرة، ولكنّ تصديق المؤامرة هو جزء من مؤامرة أخرى.

أوف…

وكان عليّ أن أشرح لابني أيضاً عن كلمة السرّ التي تدير المعركة وعن الخطابات المُتلفزَة التي تكثر وقتَ الضيق، وعن العمامة وعن العباءة وعن السبابة، وعن التهديد بالحرب الأهلية لمنع الحرب الأهلية، والتهديد باستعمال السلاح لمنع استعمال السلاح.

وكان عليّ أن استشهد بأمثلة سُمّيَت بـ«أحداث المنطقة الفلانية»، مثل أحداث الطيّونة وأحداث خلدة وأحداث كذا وكذا. هناك يا ولَدي، مات بعضٌ دفاعاً عن بعضٍ يرتدون ساعةً تساوي رواتب كل الذين شاركوا بالأحداث، مجموعين.

وكان يجب أن أفنّد مسألة الرواتب، وسلسلة الرتب والرواتب، والدعم المزعوم والاحتكارات، وأن أخبره عن حاكمٍ كمش العملة بيدَيه ثلاثة عقود، ثم فجّرها فوق رؤوسنا. وكيف لا أخبره عن المرفأ الذي انفجر حرفياً فوق رؤوسنا؟

وكان عليّ أن آخذ استراحةً، فقلتُ أعرض عليه سكيتشاتٍ لكوميدي اتُّهم بـ«أبلَسة البيئة». الكوميدي، رحمه الله، نقل واقع «البيئة» هذه بأسلوبٍ حقيقي، وفكاهي ونقدي. وقد كرَّرَت السكيتشات ذكر اسمٍ كان له باع طويل في الحرب، وهو كوثراااني. ثمّ كان عليّ أن أخبره أنّ نُكتةً عن الدولار والألف وخمسة اندرجت ضمن الأسباب غير المباشرة للحرب، وكان عليّ أن أخبره أن الكوميدي هذا قد لاقى حتفه «بشكلٍ غامض».

أوف…

ثم رأيتُ أنّ هذا الشرح عبثي للغاية، وأنّ ابني، ابن التسعة أعوام، سيسخر منّي إن أخبرته عن الذين قُتلوا وقَتلوا تحت هذه العناوين. فقرّرتُ أن أخفي أوساخنا تحت السجّادة، وأخبرته أنّ الحرب الأهلية الثانية لم تحصل في لبنان.

ولإثبات ذلك، أتيتُ له بكتاب التاريخ الذي يدرس به، وبالفعل، لم نجد فصلاً عن الحرب الأهلية الثانية في لبنان؛ حتّى أنّنا لم نجد فصلاً عن الحرب الأهلية الأولى كذلك. فاعتقدتُ بدوري، ولو للحظة، أنّها لم تحصل بدورها. غير أنّ قذيفةً قاطعت قصّة ما قبل النوم التي كنتُ أرويها لابني، وسمعنا صوتاً يطلب من الذين كتبوا عن الحرب الأهلية الثانية تسليم أنفسهم تمهيداً لإعدامهم- وذلك حفاظاً على السلم الأهلي والعيش المشترك.

آخر فرصة بعد فوات الآوان

أسباب الحرب الأهلية فلتراكم هذه الأسباب، خلاصة واحدة: هناك دمارٌ ما آتٍ تبدو اليوم «التسوية» معروفة الشكل الخطة «الإنتظارية» هشّة، وغير قادرة على مواجهة الصدمات الآتية سوريالية وجود قاضٍ يتابع تحقيقات هبات هذا القاضي أكبر من صفته انتهاء أي إمكانية لمسار شبه سلمي لحلّ الأزمة، وإعلان النظام كدولة احتلال

مظلوميّات متداخلة ونقدٌ خارجيّ

تكرار النقد أسوار البيئة الحاضنة سردية مظلوميةالبلد ماشي من دوننا ففي لبنان اليوم، مظلومية سنّية تلخيص روايات الطوائف إلى تسطيحات سياسية البلد بيمشي معنا وبلانا شيعي، سني، مسيحي ضعف السردية الثورية الاقتتال الأهلي