كي لا نعتذر مجدّدًا من طرابلس

منذ أوّل الثورة وطرابلس في صفوفها الأمامية، تحدّد معالم الخطوة المقبلة وتدفع باتجاه جذرية أكثر وضوحًا، جذرية تأخذ شكل «عدالة شعبية» تحاسب المسؤولين، أيّاً كانوا، كما حدث بعد حادثة استشهاد عبد الرحمن وراما كاخية اليوم. جذرية تبدو خياراً وحيداً في وجه سلطة استغلّت القانون لفرض النهب الذي مارسته أعواماً طويلة.

مع استمرار الثورة وبدء الدخول بمرحلةٍ من الركود الاحتجاجي، أضافت طرابلس دورًا جديدًا على مسؤولياتها، هو «رفع معنويات» الثوار في باقي المناطق. فالزيارة الأسبوعية لطرابلس باتت ضرورة لكل ثائرة وثائر لكي يستمدّوا بعض المعنويات والكثير من الأفكار للاستمرار في ثوراتهن.

الزيارة لطرابلس ليست فقط لمدينة ثائرة، بل للثورة بحدّ ذاتها. فهي المكان حيث باتت الثورة واقعًا.

في هذه المدينة،
لم يعُد هناك صُوَر لأيّ زعيم بعدما نظّفت المدينة نفسها من هذا التلوّث البصري.

في هذه المدينة،
بات النوّاب محاصرين تحت النفايات بعدما حاصر فسادهم الناس بالفيضانات.

في هذه المدينة،
ما زالت الساحة ممتلئة بخِيَم نقاشات وبمبادرات تنظيمية وجموع معتصمة.

في هذه المدينة،
ما زالت المسيرات تربط بين الساحة والأحياء الشعبية لكي تعيد ربط ما قطعته السلطة.

في هذه المدينة،
ما زال يُرفع شعار إسقاط «كلن يعني كلن»، والبداية من زعماء المدينة نفسها.

في هذه المدينة،
ما زالت المرافق العامة والمدارس والطرقات تقفل انتصارًا للثورة.

في هذه المدينة،
بات هناك عدالة شعبية تحاسب المؤسّسات والبنى المسؤولة عن قهر السكان واضطهادهم واستغلالهم.

في هذه المدينة،
ما يبدو مستحيلًا في لبنان بات ممكنًا وواقعًا وطبيعيًا.

الثورة ثورات، ولكلّ منطقة خصوصياتها وسقفها السياسي ومنطقها الاحتجاجي، وهذا ما جعل لامركزية الثورة سلاحًا فعًالًا في وجه اضطهاد السلطة وحاجتها لمركز يمكن أن تقمعه. ولكن مع استمرار الثورة، باتت سياسة السلطة تتّبع منطقًا قمعيًا لامركزيًا أيضًا: قمع ميليشيوي في مناطق نفوذ حزب الله، الاتكال على الملل والتعب في بيروت، دفع الجيش إلى مواجهة المعتصمين في جل الديب والزلقا…

ووفقاً لهذا المنطق اللامركزي بالردّ على الثورة، يبدو أنّ مصير طرابلس هو العزل لعدم قدرة السلطة على قمع الثورة هناك. فتُترَك طرابلس كآخر ساحة للثورة، معزولة عن مجرى الأمور في البلاد، قبل أن تحاصَر خطابيًا، إمّا من خلال تصوير طائفي لثورتها أو تلطيف تنموي لمطالبها، وإعادة انتاجها كجزء من خطاب السلطة في دورها كضحية لـ«الإنماء غير المتوازن» و«الانزلاق المذهبي».

في وجه هذا المنطق اللامركزي بالردّ، لم يعُد التضامن بين المناطق كافياً، بل بات سؤال التنسيق ملحّآً، وخاصةً مع طرابلس.
ينبغي التنسيق مع طرابلس لكي لا تبقى وحيدةً في إغلاق طرقها ومدارسها ومرافقها العامة، أو بكلام آخر، كي لا تبقى وحيدة في المستقبل تثور على سلطة تقمعنا جميعًا.
لا تحتاج طرابلس لتنسيق لكي نساندها في ثورتها، بل تحتاج للتنسيق كي لا تتحوّل إلى مجرّد مدينة تنتفض بدلاً من أن تكون جزءًا من ثورة أكبر.
لا تحتاج طرابلس إلى تضامن في معركتها لإرساء عدالة شعبية، بل تحتاج لتنسيق لكي تصبح تجربتها نموذجاً وليس استثناءً من السهل قمعه في المستقبل القريب.

التنسيق مع طرابلس اليوم هو من أجل الثورة، وليس من أجل طرابلس وحدها.