لماذا ننتظر حكومة الحريري أصلاً؟

لم ينجلِ بعد مآل أزمة تشكيل الحكومة اللبنانيّة، لكنّ الأكيد أن تصريح الرئيس المكلّف من قصر بعبدا اليوم أطاح بجميع الأجواء التي تفاءلت بإمكانيّة التوصّل إلى تسوية سياسيّة لهذه الأزمة في الأيام القليلة المقبلة.

لكنّ السؤال الأهم اليوم، وقبل البحث عن مصير الحكومة أو الرهان عليها، أصبح: لأجل من ستتشكّل هذه الحكومة؟ وأي مشروع ستخدم؟

فمع تطوّر أزمة سعر الصرف خلال الأسابيع الماضية، كثرت التحاليل التي ربطت مستقبل الأزمة برمّتها بمصير الحكومة نفسه، أو التي حثّت على الإسراع بتشكيل الحكومة كسبيل لمعالجة أزمة سعر الصرف، وهو ما يحتّم التساؤل عن جدوى الإفراط في التفاؤل على المستوى المالي بأي تسوية حكوميّة ممكنة.


أولى الإشارات التي تعطينا فكرة عن طبيعة المهام التي ستضطلع بها الحكومة القادمة كان أطلقها الأمين العام لحزب الله. فخاطب الحريري بلغة الحرص على المنظومة السياسيّة وحكومتها العتيدة، مطالباً إيّاه بتشكيل حكومة تكنوسياسيّة تملك الغطاء السميك لاتخاذ قرارات غير شعبيّة، بدل تشكيل حكومة إختصاصيين غير قادرة على مواجهة الشارع لاحقاً. وبهذا المعنى، كان واضحاً أن نصرالله يدرك جيّداً أن طبيعة برنامج الحكومة ستكون مؤلمة على المدى المتوسّط شعبيّاً ومعيشيّاً، وهو ما يدفعه للبحث عما يمكن أن يمثّل الغطاء الأجدى في مواجهة غضب الشارع.

نصر الله، الأكثر فهماً لطبيعة القوى السياسيّة التي تعمل تحت غطائه، والتي يرعى توازناتها، يعرف جيّداً أن هذه الحكومة لن تكون حكومة الإعتراف بالخسائر وتنظيفها على حساب رساميل المصرفيين وما راكموه من أرباح في المرحلة السابقة. ولن تكون حكماً حكومة التدقيق الجنائي الذي سيرفع الستار عن هويّة من أطاح بودائع المقيمين والمغتربين.
كما أنّها ليست أيضاً حكومة شبكات الحماية الاجتماعيّة، ولا الحرص على تصحيح نقدي يحافظ على مداخيل اللبنانيين.

هذه حكومة رفع الدعم، وتعويم سعر الصرف اعتباطيّاً بلا أي ضمانات اجتماعيّة تحمي محدودي الدخل، وحكومة الاستمرار بتسييل خسائر القطاع المالي والدين العام، أي طبع النقد لمعالجة هذه الفجوات. وسواء جاءت حكومة الحريري كحكومة إختصاصيين غير حزبيين، من داخل المنظومة نفسها، أو حكومة أقطاب حزبيين بالوجوه المكشوفة، فالنتيجة واحدة والبرنامج واحد.


الإشارة الثانية، التي لا تدعو للتفاؤل، هي ما نتج من ضغوط قصر بعبدا والأمين العام لحزب الله على حاكم مصرف لبنان للإسراع بالتدخّل في مسألة سعر الصرف، وإطلاق منصة التداول بالعملات الأجنبيّة عبر المصارف.

فخطوة إخضاع سعر الصرف للتداولات الرسميّة عبر المصارف أو منصّة مصرف لبنان، كان يفترض أن تكون من ضمن مشروع شامل يضمن عودة الانتظام إلى سوق القطع، وتوحيد أسعار الصرف المختلفة بعد التخلّص من أسباب التوسّع في خلق النقد.

أما إصرار العهد والحزب على تدخّل مصرف لبنان بهذا الشكل العبثي اليوم، ودون أن يمتلك مصرف لبنان أدنى قدرات التدخل في سوق القطع من ناحية العرض أو الطلب، فلا يدل إلا على عدم امتلاك هذه الأطراف لرؤية جديّة للمعالجة. لا بل يدل على عدم إلمامهما بأبسط تفاصيل الأزمة النقديّة وخلفياتها. من المتوقّع حتّى الآن هو أن تلاقي هذه الخطوة الفشل الذريع، تماماً كما فشلت منصّة مصرف لبنان بالقيام بهذه المسألة في أيام حكومة دياب، بعد أن ضغط كل من دياب والعهد على الحاكم للتدخل في سوق القطع و«ضخ الدولار» لدفع سعر الصرف للانخفاض.


في كل الحالات، اختبر اللبنانيون طوال الأشهر الماضية طبيعة الأولويات التي تحملها جميع المكونات التي تشارك اليوم في تشكيل الحكومة المقبلة. كما بات من الواضح حجم التناقض الكبير بين طبيعة الحلول المطلوبة للخروج من حالة الانهيار القائم، وطبيعة المصالح التي تحكم هذه القوى وقراراتها. ولعلّ هذه الإشارة وحدها كفيلة بدفعنا اليوم لعدم انتظار مسار تشكيل الحكومة- المتعثّر أصلاً- أو الرهان عليه لمعالجة التهاوي الحاصل في الأوضاع الماليّة والنقديّة.

حسابات حكوميّة ملغومة

عودة الحريري: الإخراج الركيك برّي والحريري: وراء الأكمة ما وراءها باسيل: حسابات ملتبسة حرق آخر مقوّمات صمود المجتمع اللبناني ولاية الحكومة المقبلة قد لا تقتصر على الفترة القصيرة المقبلة قبل إجراء الانتخابات النيابيّة

معركة السرديّة: مَن صنع الارتطام؟

خوض «معركة سرديّة الانهيار» مقابلة سلامة تأمين الدولارات المطلوبة لتمويل البطاقة التمويليّة رسالة رئيس الجمهوريّة الأخيرة للمجلس النيابي الجميع مفلس، سياسياً ومالياً ونقديّاً لكنّ النتيجة البديهيّة اليوم ليست سوى المراوحة