من يقرأ هذه المقالات؟ مَن يكتبها؟

بدأتُ أشعر مؤخّراً أنّ كلّ من يقرأ هذه المقالات اليوم إنسان سخيف، والأسخف منه: الكاتب.
انظر حولك، هل للمقال موقع وسط كل ما يجري؟
من يكتبه ومن يقرأه؟ وماذا سيحدث بعد أن يُنشَر؟ ها؟ لا شيء. لا شيء على الإطلاق.
لا شيء.


أن تقرأ هذا المقال يعني أنّك تملك ما يكفي من الوقت، والكهرباء، والإنترنت، والقدرة على التركيز، لقراءته.
أن أكتب هذا المقال يعني أن أملك ما يكفي من الوقت، والكهرباء، والإنترنت، والقدرة على التركيز، لكتابته.
أعتقد أنّ هذه المعايير تجعلنا – أنت وأنا، قارئاً وكاتباً – من الأقليّة في هذه البقعة الملعونة، من المحظيّين الذين لم يسحقهم الانهيار بالكامل، بعد… يجعلنا من الفُقاعة التي تتفاعل على العالم الافتراضي فيما عالم الواقع يتهاوى… أبوكاليبس.

نكتب عن التغيير، عن نقد النظام، عن الصراع الطبقي، عن مَن هم تحت. مَن هم تحت، لن يقرأوا يوماً هذه المقالات.

ما نفعُها إذاً؟

وإن تدّعي هذه المقالات أنّها تطال السياسة، فهي فعليّاً خارج السياسة. السياسة تحدث في مكانٍ آخر، هناك، في اليوميّات البسيطة لمن سَحقهم الانهيار بالفعل.
وإن تدّعي هذه المقالات أنّها تنتقد «مجتمع المشهد»، فهي فعلياً جزءٌ منه. مجتمع المشهد أعتى من نُقّاده. يبتلعهم. كل من كتبوا يوماً لينتقدوه – ضمناً أنا – هم جزء من المشهد الرتيب نفسه.
وإن تدّعي هذه المقالات أنّها للتحريض والتعبئة والتنظيم، فهي فعلياً خارج منال الفئات المُبتَغى تحريضها وتعبئتها وتنظيمها.
وإن تدّعي هذه المقالات… لا يهمّ. فهي فعلياً مجرّد مقالاتٍ تدّعي، مقالاتٍ مُدَّعية، مقالاتٍ للادّعاء. مقالاتٌ لتذكّرنا أنّنا موجودون، أنّنا ننتج شيئاً ما. مقالات نأمل منها أن تعطي «معنى» ليوميّاتٍ فارغة، مقالات لتمضية الوقت، أو اللاوقت.


قد يكتب أحدهم للشرح/ للتشريح/ للتنظير/ للتحريض/ للتضليل/ للتفكير/ للتنظيم/ للتفكيك/ للّعي/ للتلكيح/ للتبييض/ للتلميع/ للتمييع/ لأي كلمةٍ على وزن «تَفعيل».

غير أنّي، من جهتي، أكتب اليوم للأرشفة (مع رشّة تحريض، ربّما). أرشفة ما أستطيع لملمته من أفكاري وسط الانهيار. أرشفة ما يُسمّى زوراً «مشاعر» حاولنا مُداراتها، أو كبتها، أرشفة ما يُسمّى زوراً «علاقات» حاولنا الحفاظ عليها، ما يُسمّى زوراً «قَيدَ حياة» حاولنا التمسّك به.

عبثٌ تلك المحاولات. ذلك أنّنا لا نعيش اليوم حياتنا، بل نحيا فقط لما سنؤرشفه. يصير وقتنا عبارة عن باكورة فيلمٍ، سريعة الاشتعال، نحفر عليها يوميّاتنا ثم نلفّها ونرميها على رفٍّ ليأكلها الغبار، أو نزركها في «دُرج الخيبات».

أكتب، لأعود إلى هذه المقالات بعد عشرة أعوام، وأقول هكذا كان سمير الانهيار يكتب. هكذا كان يبكي. هكذا كان يتخطّى يوميّاته. هكذا كان ينتظر في الطابور. هكذا كان يعرق. هكذا كان يشرَب. هكذا كان مُبنّجاً، يرى جثّة رجلٍ ويضحك. هكذا كان يَتقَوقع في منزله. هكذا كان يُعيد قراءة المقطع نفسه من خاتمة «مُجرّد تعب». هكذا، كان يكتب مقالاتٍ سخيفة.

أمّا اللطيف، فهو أنّ الكلمات هذه ستُعبّر عن حال عددٍ من الأشخاص، غيري. أُحَيّيهم، أُرسل لهم قُبُلاتٍ وعَبّوطات.
يجعلني ذلك أشعر بالارتياح، والريبة، مع كامل إدراكي أنّنا لن نتمكّن يوماً من وصف الانهيار الجاري وضخامته، أو كتابة ما نفكّر به حقّاً، أو أن نحكي عن الواقع كما هو.

«فالواقع أعقد من أن يُعبَّر عنه باللغة»

أمّا العجز عن وصف الانهيار، فهو بذاته، من صِفات الانهيار. ذلك هو، بالتحديد، ما يجعل من هذه المقالات سخيفة؛ ما يجعل من كاتبها، مُجرّد رجُلٍ سخيفٍ، مجرّد ظلّ.

أو ربّما، رجُل عاديّ يرتدي نظّارات السُّخف واللامعنى، ويمشي.

رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

هل شَممتُم المازوت من قبل؟

أبواب استيراد المازوت فُتحت لمن يشاءعندما كانت جدّاتنا ينثرن الأرزّ على المقاومينتصبح «الأمانة» اليوم هي «كورال» العام المقبلالفدرالية التي ينادي بها خصوم حزب اللهكان لا بد من صهريجٍ لرفع المعنويات