تعليق انتخابات 2022
سامر فرنجية

أوّل انتخابات، آخر انتخابات

18 أيار 2022

هي أوّل انتخابات تشريعية بعد الثورة وانهيار شرعية النظام وأحزابه. 
هي أوّل انتخابات بعد الانهيار المالي وإعادة هيكلة المجتمع. 
هي أوّل انتخابات بعد انفجار المرفأ وانطلاق موجة تهجير جديدة.
لكنّ الأهمّ أنّها أوّل انتخابات بعد موسم التشاؤم الذي أودى ببعضنا (ومنهم كاتب هذه السطور) إلى هجرة داخلية من السياسة، قبل أن يعود الناس ويعلنوا أنّ المعركة لم تنتهِ بعد. 

هي أوّل انتخابات بعد كلّ هذا، لكنّها أيضًا آخر انتخابات تُخاض بحسب منطق النظام، منطق المحادل الانتخابية والحكومات الوفاقية والتصويت الاستفتائي الحزبي. فقد لا تغيّر نتائج الانتخابات الأخيرة موازين القوى اليوم، لكنّها تشير بوضوح إلى أزمة حكم، قد يكون لتجاهلها عواقب خطيرة. إنّها آخر انتخابات تخاض بحسب منطق النظام، لكنّها قد تكون أيضًا آخر انتخابات إن لم يعِ الجميع التحذيرات الضمنية لنتائجها. 


60

هو عدد نوّاب تحالف حزب الله في المجلس، ما أفقده اكثريته النيابية التي حكم من خلالها في السنوات الماضية. بدا جيش مندوبي حزب الله في هذا النهار الانتخابي كماكينة عملاقة تدور بأرضها، يمكن أن ترهب وتجيّش وتقمع، لكنّها لا تستطيع أن تسيطر على التسرّب الاقتراعي أو على من بات في دول المهجر. والأهمّ أنّها لم تعد كافية لحماية «أطراف» أخطبوط الحزب، من خارج الطائفة أو في المناطق الخارجة عن نفوذه أو عند حليفه المسيحي. 

مُنيَ حزب الله بهزيمة، لم يكن يتوقّعها أحد، خاصةً أنّه لم يكن يواجه خصمًا انتخابيًا كالذين اعتاد على مواجهتهم وكسرهم. رغم ذلك، يبقى الحزب، ونوّابه الستّون، الطرف الوحيد الكفيل بتشكيل حكومة في وجه تشرذم الكتل المقابلة. لكن خيار حكومة سياسية من لون واحد منبثقة من أكثرية ضئيلة تعني أزمة حكم مفتوحة. أمّا البديل، فهو الاعتراف بأزمة الشرعية هذه، والانتقال إلى منطق مغاير لتشكيل الحكومات، ينبثق من استثنائية اللحظة التي تمرّ بها البلاد. 


18

هو عدد نواب كلّ من كتلتي القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. 
أدّى الانخفاض المتوقّع في الكتلة العونية والتقدّم المتوقع من قبل القوات اللبنانية الى تعادل في الأحجام، ما يُبطل نظرية «الرئيس القوي»، التي شكّلت المدخل لمقاربة موضوع رئاسة الجمهورية في الماضي. ربّما اعتقد حسن نصر الله أن إفطاره «الرئاسي» كان كفيلًا بتأمين رئيس له، إمّا قويا وإما توافقيًا. لكنّ مرشّحَيْه خرجا من هذه الانتخابات أضعف ممّا دخلاها، ليجد نفسه من دون ضمانة رئاسية. 

لم تطرح نتائج الانتخابات مسألة تحديد الأكثرية النيابية وطبيعتها فحسب، بل أيضًا مبدأ اختيار رئيس الجمهورية الذي بات اليوم غير محدّد المعالم. يمكن الاستمرار في البحث عن مصادر قوة الرئيس المقبل في عدد الأصوات المسيحية، وبالتالي البحث العبثي عن رئيس قوي فاقد للشرعية. أو يمكن البحث عن منطق مختلف لاختيار الرئيس، ينطلق أيضًا من طبيعة الأزمة التي تمرّ بها البلاد، وبالتالي من الشرذمة السياسية التي باتت ترجمةً لتلك الأزمة.


27

هم عدد النوّاب الشيعة في المجلس، والذين باتوا جميعًا من حصة «الثنائي الشيعي». نجح حزب الله وحركة أمل في احتكار التمثيل الشيعي، ما يبقي سلاح «الميثاقية» في يديهما. وهذا ما يحوّل انتخاب رئيس مجلس النواب إلى عنوان أزمة قادمة، لن يحلّها فرض نبيه برّي مجددًا كرئيس بقوة السلاح، أي قوة السلاح الذي أمّن احتكار التمثيل. يمكن الاستمرار في فرض هذا المنطق على عمل المؤسسات المنهارة، أو بداية الاعتراف بمحدودية هذا المنطق في بلد يعاني أزمة حكم.


1، 2، 3، … 13

هو عدد نواب المعارضة الذين دخلوا المجلس. 
ربّما كانت المفاجأة الأكبر في هذه الانتخابات هي الخروقات المتعدّدة لقوى معارضة في شتّى المناطق، وعلى رأسها الجنوب. نجحت «الثورة»، مع ما تمثلّها من تحوّلات إجتماعية وجيلية وسياسية، في كسر احتكارات حزبية وإقطاعية، كان من المستحيل تخيّل خرقها الأسبوع الفائت. بعيدًا عن كل ما سيجري في الأشهر القادمة، فإنّ مجرّد دخول نوّاب جدُد إلى نادي السياسيين التقليديين يعني بداية تحوّل في طبيعة العمل السياسي في لبنان. 

لكن يبقى سؤال علاقة كلّ هذه «المعارضات» ببعضها بعضاً في المجلس الجديد. فميزة المجلس القادم أنّه مكوّن من كتل تعرّف عن نفسها كمعارضة، وإن كانت تعارض مشاريع سلطة مختلفة. فأزمة الحكم لا تعني فقط فقدان السلطة لمعناها، بل أيضًا فقدان معارضتها لمنطقها. وهنا بات من الضروري إعادة التفكير بمعنى العمل المعارض في ظل سلطة متهاوية ومأزومة. 


142,041

هو عدد المقترعين في الخارج، الذين صوّتوا بنسب عالية للوائح المعارضة. فبات من يهاجر خارج قبضة الأحزاب المسؤولة عن تهجيره. وكان للمقترعين في الخارج دور أساسيّ في إيصال هذا العدد من نواب المعارضة إلى المجلس، لتشكّل هذه الانتخابات أوّل تحرّك جدّي للشتات اللبناني. 

وقد يضاف إلى دور الخارج، تصويت الناخبين الشباب الذين يدخلون السياسة لأول مرة في زمن الانهيار والثورة وانحدار شرعية النظام. وهذان العاملان كفيلان في تحويل اللعبة الديموقراطية في لبنان، حيث لم يعد لأحزاب النظام القدرة على تحويل الاستحقاقات القادمة إلى مجرّد تنافس بين مفاتيح انتخابية لتحديد أحجام النادي المغلق.


30،000

هو سعر الدولار، بضعة أيام بعد انتهاء الاستحقاق النيابي. فبعد الاستراحة الاقتراعية، عاد الانهيار لكي يذكّرنا بأنّ وتيرته لن تخفّ لمجرّد نجاح المعارضة بكسب بضعة مقاعد. فالأسئلة التي تطرحها نتائج الانتخابات على طبيعة الحكم في لبنان تُطرح بإلحاح الانهيار الراهن. 

فهي أول انتخابات بعد الانهيار، لكنّها قد تكون آخرها إن لم تتحوّل إلى مناسبة  لتأسيس منطق مختلف للحكم. وهذا التحدّي ليس اليوم في وجه المعارضة ونوابها، بل في وجه القوى السياسية كافّة.