الشخص والشبح


عند كلّ تحرّك للشارع، يعود شبح سمير قصير.

في 2011،
عاد من خلال ربطه بين استقلال لبنان وديموقراطيّة سوريا، فصار ذاك السطر من مقالته يُحفَر على الجدران: ربيع العرب حين يزهر في بيروت إنما يعلن أوان الورد في دمشق.

في 2015،
لم يكن الشقاق بين معسكرَيْ 8 و14 آذار قد تصدّع تماماً، فاستُدعي سمير قصير عبر عنوان إحدى مقالاته انتفاضة في الانتفاضة، ليعلن شباب آتون من ماضٍ أربطعشيّ التحاقهم بحراك «كلّن يعني كلّن». ثمّ باتت السميرقصيريّة عنواناً للحرية والسيادة المتفلّتَتيْن من الزعامات المافيويّة.

في 2020،
في ذكراه الخامسة عشرة، ومع تراجع انتفاضة الشارع التي بدأت في 17 تشرين، لجأ كثيرون إلى سمير قصير لمحاربة اليأس عبر عنوان مقال آخر هو ليس الإحباط قدراً، ولحثّ المنتفضين للعودة إلى الشارع عبر عنوان ثالث: عودوا إلى الشارع أيّها الرفاق، تعودوا إلى الوضوح.


ما كادت تمرّ 24 ساعة على ذكرى اغتيال قصير، حتّى أطلّ هذه المرّة «الشخص»، وهي الكناية التي استعارها قصير من مسرحيّة الأخوين رحباني ليتحدّث عن المدير السابق للأمن العام طيلة عهد إميل لحوّد، اللواء الذي أصبح النائب جميل السيّد.

أطلّ «الشخص» هذه المرّة من داخل البرلمان. لكنّ ربطة العنق لم تمنعه من العودة إلى ما أتقنه جيّداً في التسعينات، أي التهديد وإشاعة أجواء الرعب، فتفوّه بما لم يسبقه أحد من الطقم الحاكم عليه: الدعوة إلى إطلاق النار على المحتجّين الذين يتجرّأون على التظاهر أمام منازل المسؤولين السياسيّين.

أطلّ «الشخص» مستعيراً تارةً إصبع المقاومة، وتارةً أخرى نظّارة التكنوقراط، وهو الذي شاع أنّ أصابعه بارزة وراء انتقاء الوزراء الأكثر نباهةً داخل هذه الحكومة، ومنهم ذاك الذي ربط بين وضع الكمّامة والمؤامرات الصهيونيّة لتفتيت مجتمعاتنا.

أطلّ «الشخص» مشتاقاً لأدواره الأمنيّة السابقة، حين كانت تُتلى على مسامعه «مانشيتات» الصحف قبل صدورها، وحين امتدّت يده لتصادر جواز سفر صحافيّ يدعى سمير قصير في المطار لأنّه دعاه في أحد مقالاته «المدير العام للأمن الخاص»، وحين كان يرسل السيّارات الاستخباراتيّة لتلاحق قصير من شارع إلى شارع. وحين كانت التفجيرات الصغيرة والكبيرة جزءاً من اللعبة.


لا تصلح التعليقات الصحفيّة السريعة لتعبر الأزمنة. ولا تشكّل مقالات سمير قصير استثناءً في هذا المجال. فهي بطبيعتها مرهونة بلحظة سياسيّة عابرة. والأرجح أنّ استدعاء تلك الاقتباسات من سطر هنا أو عنوان هناك ليس دليلاً على راهنيّة الكاتب، ولا حتّى توقاً إلى مَن يملأ الفراغ الذي تركه، بل محاولة لتحدّي القاتل عبر إبقاء الكاتب حيّاً بعد اغتياله.

رغم ذلك، أو ربّما بسبب ذلك، تغري العودة لما كتبه قصير حين ألقى اللواء جميل السيّد كلمته الأخيرة كمدير عام للأمن العام غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
كتب قصير آنذاك:
غريب أمر رجل المخابرات، فهو أكثر مَن يعرف ما يعرفه الناس، وما يعرفونه لا يخدم على الإطلاق ادّعاءات البراءة.
كتب أيضاً:
حال هذه الأجهزة صار يرثى لها منذ أن انكسر حاجز الخوف، وهذا إنجاز عظيم على طريق استعادة الجمهوريّة. لقد انتهت المسرحيّة، يستطيع الشخص أن يبقى على المسرح، لا همّ فلا أحد يسمعه.

لقد انكسر حاجز الخوف مرّةً أخرى في 17 تشرين. يستطيع الشخص أن يبقى على المسرح، لا همّ فلا أحد يسمعه.

كابوس نصر الله

وصل نصر الله إلى هدفه انتصر فيها وعاد هل هي عودة لـ14 آذار الجيش الذي اعتبره حليفًا ضعف الأحزاب الخصم هو عودة «الحياة الطبيعية» فما يخيفه هو ماهية الثورة غضب نصرالله من جمهوره ليحوّل الواقع إلى كابوس

«نكاية بالكلّ»

راشيل ليست وحدها مَن لم تعُد تخجل وقد يكون عرّاب هذا العشق مارسيل غانم الذي أتقن هذا المزيج من الخشونة الودية والمحبة المادية كانت الأحزاب تستعدّ لعودتها إلى الشوارع التي طُرِدت منها، محمَّلةً بقناني الديتول ومعدّات التعقيم ضد الفضيحة التي أحدثتها الثورة في قلب المجتمع ومؤسّساته العفنة