الفراغ هو الحكومة الجديدة

ينهار البلد اقتصاديًا وماليًا، لكن لا يبدو هذا الانهيار مصدر قلق للسلطة التي تماطل في تشكيل حكومة تحت حجج سخيفة، كوجود وزير أو اثنين سياسيَّيْن في التركيبة الجديدة. ولمن يعاني من هذه الأزمة، هناك شيء من العبثية الإجرامية في مماطلة كهذه، وكأنّ الطبقة السياسية باتت مقطوعة تمامًا عن هموم الناس، لا ترى في انهيار البلد سببًا للتخلّي عن أيٍّ من امتيازاتها.

ولكن ماذا لو افترضنا أن هذه المماطلة هي جزء من منظومة الحكم، وليست مجرّد تقاعس من قبل سياسيين فاسدين؟ ماذا لو كانت هذه المماطلة ترسي أسس نظام حكم جديد، وليست مجرّد استكمال لمماطلات قديمة كالتي شهدناها عند تشكيل الحكومة الحالية أو عند إقرار قانون الانتخابات أو انتخاب رئيس للجمهورية؟

فمن الممكن التخيّل أن الاستمرار بحكومة تصريف الأعمال هو الخيار الأفضل للأطراف السياسية المتصارعة والتمثيل الأنسب لميزان القوى الحالي. فبين البقاء على هذه الحكومة وتشكيل حكومة جديدة ستشهد انتقاصًا بالتمثيل السياسي، يبدو الخيار الأول الأكثر جاذبية للأقطاب السياسية الأساسية. كما أن البقاء على «فراغ» حكومة تصريف الأعمال يؤمّن ميزة أخرى، وهي التهرّب من تحمّل مسؤولية الانهيار الحالي. فمن الذي يريد أن يشكّل حكومة جديدة سيكون دورها الأساسي فرض سياسات تقشفية وتحمّل انهيار العملة؟


لكن أبعد من كونها الخيار الأفضل في هذه الظروف، تبدو حكومة تصريف الأعمال كمقدّمة لنمط حكم جديد، يسمح باستنسابية ومرونة قد لا تسمح بها حكومة جديدة. والاستنسابية هنا ليست فشلاً في إجراءات الحكم، بل منطق حكم قائم بحدّ ذاته على إرساء حالة من الترقّب والفجائية، تقضي على أي حق مكتسب أو ثبات مؤسساتي أو إمكانية للعمل المتواصل. فالاستنسابية، معطوفة على التلاعب بسعر الصرف، تخلق حالة من الصدمة تسمح بتمرير تدابير قد يكون من المستحيل تمريرها سياسيًا في أوقات طبيعية.

وقد برزت أوضح تلك التدابير الاستنسابية في السياسة المالية والمصرفية. فبين نص القانون وقرارات مصرف لبنان وجمعية المصارف والمصارف وفروعها، هناك حالة من الاستنسابية سمحت بفرض القيود على أموال الناس، كان من المستحيل فرضها في ظروف «طبيعية». سمحت هذه الحالة من الاستنسابية بتهريب أموال أصحاب المصارف وكبار المودعين، بما يمكن وصفه إحدى أكبر عمليات النهب التي شهدتها البلاد. وأبعد من ذلك، أمّنت هذه الحالة الشروط الضرورية لتحضير النخبة الاقتصادية الحالية للاستفادة من «هدف» هذه الحالة، وهو الخفض في سعر الصرف أو حتى انهيار العملة. ما كان يبدو كإحدى ركائز النظام، أي ثبات سعر الصرف، بات واقعًا، والناس رهينة له ومن استفاد منه في الماضي هو نفسه مَن سيستفيد منه في المستقبل.


الأزمات ليست نقيضة للرأسمالية، بل إحدى الطرق التي يعيد بها هذا النظام إنتاج نفسه، من خلال عملية تدمير وإعادة إنتاج مصادر تراكم الرأسمال. كما أنّ «الفراغ» والاستنسابية لا يشكلان نقيضًا لنظام الحكم، بل هما شكل من أشكال عمله، أساسه إرساء حالة من الترقّب والاستثنائية كأداة حكم.
بكلام آخر، ليس هناك ما ننتظره من السلطة، كمخطّط للإنقاذ وحكومة جديدة. السلطة بدأت تؤسس لنظام جديد، حتى في «أزمتها» الحالية. لم تنتظر السلطة المالية والاقتصادية الاستشارات، بل اختارت مصالحها.

الثورة تضجّ: وثائقي صوتيّ

كأنّ الوقت توقّف بصرخات الغضب والألم والتضامن نبحث عن إيقاعات توثيق التعبير الشعبي الثوري كلام صانعي هذه الحركة بما يتعدّى الطوائف والطبقات يروون في شهاداتهم أسباب انتفاضتهم

الثورة والآخر

ماذا عن الآخر؟ بيت الطاعة داخل حزبه الوصفة لضرب أيّ اتّجاه جذريّ بتقديسه للمقاومة وسيّدها؟ للمزيد من التجذير الطبقي لممارسة اللامركزيّة هل ينبغي دغدغة هواجسه لهذه «السياحة الثورية» طابعها الجغرافي إخراج البلد من الجُحر