جيل متروبوليس

تتداخل الذكريات عن زمنٍ منذ أكثر من 15 عاماً لمّا كنا نحمل البرنامج بين أيدينا، ونجلس شباباً على درج سينما متروبوليس، ننهمك في تنسيق المواعيد لنتمكّن من مشاهدة أكبر عدد ممكن من الأفلام. ويبقى البرنامج بين يدَيْنا طيلة أيّام المهرجان، أي مهرجان، نحدّثه بناءً على ما نثق به من آراء. نفعل ذلك بالتزامٍ عالٍ، كأنّها مسؤولية.

لم نكن قد تشكّلنا بعد في مسيراتٍ مهنية، ولا عرفنا من سيغادر منّا ومن سيبقى. لم تكن السكك واضحة، لكنّ أوراق المهرجانات كانت وجهةً واضحة، نمنحها الثقة ونترقّب انفجار حيويةٍ في الذهن والعين تبدأ من ملصق المهرجان نفسه.

متروبوليس لم تسقط علينا من فوق. بلد ممتلئ بالخارجين/ات من الحرب إلى الدنيا، شبابٌ وأجيال، علاقاتٌ مختلفة بما مضى وما يجري. تحرّكنا في مستنقعٍ طاغٍ حتى نسّقنا عيشاً لنا تحت مظلّات ثقافية، تتواجه مع السائد عبر حجز مساحةٍ لما هو مغاير. وكنا بأمسّ الحاجة لأن نتفرّج.

كان الهدف هو تفكيك الحدود والقيود ومساءلتها، إن بين البيروتَيْن أو بين الجندرَيْن أو في الصورة السينمائية. مساحةٌ آمنة للمختلفين/ات ساهمت في تأسيس ناحيةٍ من بيروت التي نعرفها، كما تُرسى اليوم مساحات آمنة لييروتٍ آتية. في العقد الأول من حياة متروبوليس، كنا «دوّيمين»، انتسبنا إلى تيار، تشكّلنا كمرحلة. من أول «المهرجان الأوروبي» إلى البرمجات الأدقّ (أفلام «أسبوعا النقّاد» في مهرجان «كان» مثلاً)، كنّا نخرج من كلّ عرضٍ بآراء، ونتشاجر أحياناً بشراسة.

في مهرجانات متروبوليس و«أشكال ألوان» و«بيروت دي. سي» وسواها، بدأنا نتشكّل كأفراد أيضاً، نصيغ رأياً، نغذّيه بإدمان منهجيّ يحرّكه ذنبٌ هائل إن فاتنا عرض أو نقاش. باحة الانتظار في متروبوليس شهدت أوّل نقاشاتنا في الجنسانية، المال، الوعي واللاوعي، كما نقدنا للمظلّة بحدّ ذاتها لجهة الفرنكوفونية والنخبوية والامتناع عن الجمهور وسواها… كلها شهدها درج صوفيل، الدكانة القريبة، أو الحانة بعد العروض.


هذه المظلات القليلة صنعتها نساءٌ ترأسنها أو شاركن بإدارتها، في وقتٍ سبق تبلور خطاب نسوي يلقي الضوء النقدي ويحاصر ممارسات ذكورية كانت وقتها سائدة بلا مساءلة. هانيا مروّة هي بالتأكيد واحدة من أبرزهن، نساء ذاك الجيل اللواتي حملن مع رفاق وشركاء مظلة على أكتافهنّ وعاندنَ حتى أقلعنَ بها. أظهرت هذه المبادرات ثباتاً، على عكس مبادرات «تغييرية» سياسية، يسارية، حاولت آنذاك أن تحمّل الثقافة خطابها فتعثّرت، كونها «تهدف إلى» من دون أن «تعترف بـ»: تهدف إلى «التنوير»، بلا كلفته الاجتماعية. تهدف إلى «التغيير»، تغيير الحاكم لا الذات. مبادرات سياسية تعنى بتحقيق «نتيجة»، لا بالطريق إليها. متروبوليس فعلت العكس لأنها اعتنت بالطريق، وحدّدت أهدافاً مرنة.

ما عاشته الأجيال اللاحقة مع متروبوليس كخيار، عشناه نحن كرمق. كنّا نخرج من أسرٍ حين ندخلها، نحتكّ بدنيا خارج البقعة التي خطفتْنا، وبسعر تذاكر يقلّ عن ثلث سعر بطاقة السينما التجارية. وكان نبض فريق العمل ينتقل إلينا ويتغذّى منا بشيءٍ من الرفاقية المشتهاة: روي، ربيع، زينة، سارة، نسرين، علي… ودائماً ريمي. درجةٌ عالية من الإصرار المهني لا يشبه بلدنا، نفسيةٌ نضالية في مجالٍ ثقافيّ لم يدمن الهتافات ويصرّ على أن يدفع أجراً لقاء العمل، ووجوهٌ تقدّر الفرح وتصارع حدود الممنوع مع كلّ رمق.


في السنوات الأخيرة، كنت أشعر باستقرارٍ شخصيّ حين تقول لي صديقة لأمّي: «شاهدت هذا الفيلم في متروبوليس»، أو صديقة أصغر جيلاً:«تذهبين إلى السينما؟ متروبوليس تعرض…». هو إحساسٌ بأننا احتلّينا مساحةً من هذه المدينة، حرّرناها من حكم السائد، ثبّتنا فيها أرضاً متينة بقيت معنا.

لكنّ نظام الحياة في هذا البلد لا يسمح لقصصٍ أن تستقيم ثوابت غير تلك التي تفرضها السلطات المختلفة على مساحته. لها الديمومة ولنا التقطّع. وإن انتهت تجربة متروبوليس فعلاً، فإنّ خسارتنا لن تقتصر على المضمون المباشر، بل ستصيب سياقاً كاملاً للحياة في أزمنة هذه المدينة.

كل إنهيارٍ يصيبنا يبتلع مساحاتٍ من أمننا. لكنّ الأمل باستمرار متروبوليس في مكان آخر غير صوفيل وبصيغة أكثر معاصرة لا يزال موجوداً، وهو أمل يحتمي بالعناد، العناد الذي أجلسنا لساعاتٍ على درج المهرجان، سنةً تلو الأخرى، حاملين القلم، نصنع به دوائر حول أفلام… علماً أننا كنّا نأتي إلى صوفيل مشياً لنوفّر كلفة النقل، فنتمكّن من رسم دائرة إضافية سعيدة حول فيلمٍ إشكاليّ إضافيّ.