تحليل هندسة الانهيار الاقتصادي
علي نور الدين

كيف تُجمَع الثروة في يد القلّة؟

19 كانون الثاني 2022

بهاء وفهد وأيمن الحريري، نجيب وطه ميقاتي، روبير معوّض 

ستّة لبنانيين أثرياء من ثلاث عائلات، يملكون وحدهم أكثر ممّا يملكه 80% من سائر المقيمين في لبنان، وفقًا لبيانات تقرير أوكسفام حول اللامساواة في العالم. 

إذا قمنا ببعض الحسابات، يمكننا أن نكتشف أن الـ11.9 مليار دولار التي يملكها هؤلاء توازي وحدها 58% من الناتج المحلّي المقدّر في نهاية العام الماضي للبنان، والذي يعكس فعليًا حجم الاقتصاد اللبناني الإجمالي. بل ويقارب هذا المبلغ إجمالي ما تحتاجه البلاد على أساس سنوي لتمويل كل أنواع الاستيراد، بحسب معدّلات الميزان التجاري للعام 2021.


الضفّة الأخرى من المجتمع

في مقابل هذا المشهد، ثمّة مشهد آخر على الضفّة الأخرى من المجتمع، عرضته منذ ثلاثة أشهر منظمة الإسكوا

ارتفعت نسبة المقيمين في لبنان الذين يعانون من فقر متعدّد الأبعاد من 42% سنة 2019 إلى نحو 82% اليوم، ما يعني أنّ هذه النسبة ارتفعت بنحو الضعف خلال سنة واحدة فقط.

وحتّى قبيل حصول الانهيار المالي، وبدء التراجع في قيمة مداخيل محدودي الدخل نتيجة تدهور سعر صرف الليرة، كانت أرقام مصرف لبنان تشير إلى نسبة تركّز غير مفهومة في الودائع المصرفيّة. فقد استحوذت نسبة لا تتجاوز الـ0.86% من الحسابات المصرفيّة وحدها على أكثر من 51% من أموال المودعين. في المقابل، لم يملك أكثر من 59% من أصحاب الحسابات المصرفيّة إلّا 0.64% من إجمالي الأموال المودعة في المصارف، في دلالة واضحة على حجم التركّز في الودائع المصرفيّة.


إعادة التوزيع باتجاه تركيز الثروة

كيف يُبنى اقتصاد يعمل لمصلحة القلّة؟ وكيف يمكن لنموذج مالي أن يُنتج هذا التركّز غير المنطقي في الثروة؟

قبل العام 2019، كانت آليّات إعادة التوزيع باتجاه تركيز الثروة واضحة للعيان: 

  • استنزاف أموال دافعي الضرائب في خدمة الدين العام، لتمويل ريع قلّة محظية من أصحاب المصارف وكبار المودعين، وخصوصًا في ظل تركّز الودائع على النحو الذي ذكرناه، وامتلاك القطاع المصرفي النسبة الأكبر من محفظة سندات الدين العام.
  • احتلال النشاط العقاري حيّزاً من حجم الاقتصاد والناتج المحلّي، وتربُّح حلقة ضيّقة من المضاربين العقاريين وتجّار البناء من القطاع من هذا الواقع، في مقابل تمويل الجزء الأكبر من انتعاشة القطاع من القروض المصرفيّة التي أثقلت كاهل المقيمين.
  • اقتصار النموّ الاقتصادي على القطاعات الريعيّة، كالمصارف والعقارات، وبتشجيع من السياسات الحكوميّة المعتمدة، على حساب ضمور القطاعات المنتجة القادرة على خلق الوظائف وزيادة الطلب على اليد العامة.  
  • وأخيرًا، تربّح الحلقة النافذة سياسيًّا من الصفقات العموميّة، على حساب المال العام أيضًا، وهو ما يفسّر تركّز خمسة من الأسماء الستّة الواردة في تقرير أوكسفام بعائلات عملت في الشأن العام واستفادت من هذا النوع من الصفقات (وتحديدًا آل ميقاتي وآل الحريري).

تفاقم اللامساواة

إذا كانت انتعاشة النموذج الاقتصادي اللبناني قد قامت أساسًا على انعدام العدالة في توزيع الثروة، فقد أفضت تداعيات انهياره إلى مفاقمة أشكال تركّز الثروة بأشكال مرعبة، وهو ما انعكس ارتفاعاً بمعدّلات الفقر خلال السنتين الماضيتين، في مقابل الحفاظ على ثروات الفئة الصغيرة الأكثر ثراءً.

  • تمكّنت فئات واسعة من النافذين ماليًّا وسياسيًّا من الحفاظ على مصالحها، عبر بعض الإجراءات الاستنسابيّة، كـعمليّات تهريب أموال المحظيين إلى الخارج قبل حصول الانهيار وبعده، ما أتاح لها تحييد أموالها عن تداعيات الانهيار المصرفي. الجدير بالذكر أن إحصاءات لجنة الرقابة على المصارف تؤكّد أن الغالبيّة الساحقة من عمليّات تحويل الودائع إلى الخارج جرت من حسابات كبار المودعين بالتحديد. في المقابل، كان هذا الانهيار المصرفي، وطريقة تعامل السلطة النقديّة معه، يفتح الباب أمام ضرب مصالح سائر فئات المودعين. 
  • امتلكت الفئة الأكثر ثراءً أدوات تحييد ثرواتها عن الانهيار المالي المحلّي، كفتح الحسابات المصرفيّة في الخارج، والشركات الأجنبيّة في المحميّات الضريبيّة، وشراء العقارات في الأسواق الأوروبيّة، وغيرها… فيما لم تملك سائر الشرائح الاجتماعيّة هذا النوع من الأدوات.
  • لم تملك الفئات محدودة الدخل، وخصوصًا أصحاب الأجر الثابت بالليرة، القدرة على مواكبة تدهور سعر صرف الليرة اللبنانيّة وزيادة أجورها، ما عنى تراجع القيمة الشرائيّة لمداخيلها، الأمر الذي يفسّر ارتفاع معدّلات الفقر المتعدّد الأبعاد، كما ورد في تقرير الأسكوا.

في النتيجة، جمع لبنان ما بين النموذج الاقتصادي القائم على خدمة ثروات القلّة، وانهيار النموذج القائم على حماية مصالحهم وتحييدهم عن تداعيات الأزمة. ولهذا السبب بالتحديد، لم يكن من المستغرب أن تحلّ البلاد في طليعة دول العالم من ناحية معدلات التفاوت في توزيع الدخل وتركّز الثروة.