نسخة قبل الأصل
تعرّفنا إلى النسخة قبل أن نسمع الأصل. وبعضنا أحبّها أكثر من الأصل. وفي معظم الأحوال، لأننا وصلنا إلى الأصل بعد استغراقنا في سماع تلك الموسيقى، تحوّلت موسيقانا الأصيلة إلى «نسخة» نظريًا فقط وبمفعول رجعي. هكذا حصل مع أغنية soul shadows التي ألّفها جو سامبل.
استمعت إليها بعد سنوات من سماع وإعادة سماع أغنية «روح خبّر»، نسخة زياد الرحباني المعرّبة، فبدا لي كأنّ جو سامبل هو الذي أخذ عن زياد الرحباني ذلك اللحن الساحر وليس العكس.
نافذة بيروتيّة على العالم
كان ذلك قبل التحميل والتنزيل. لم يكن هناك تخمة موسيقى، كما لم تكن في متناول اليد. حينها، كانت الاكتشافات الأولى تأتي في أكثر الأوقات ورقياً، تحملها مجلّات موسيقية وصحف، أو منسوخة على شرائط كاسيت من أصدقاء ومن أصحاب المصلحة (الديسكوتيك) التي انقرضت تقريباً. كما كانت تصلنا بعد أخذ نصائح أساتذة الموسيقى والموسيقيين العازفين في الحانات والمطاعم على خطّ بيروت جونية. في ذلك الزمن حيث كانت العلاقة مع الموسيقى تمرّ بوسيط ما، ورقي أو بشري، يلعب دور المرجع أو الدليل أو المشجّع على سلوك دروب موسيقية جديدة، كانت موسيقى زياد الرحباني، بالنسبة لي، وللكثيرين منّا، نافذة بيروتية مشرّعة على قارّات موسيقيّة عديدة. فمن خلال موسيقاه تعرّفنا إلى أنماط موسيقية مختلفة (فانك، ريتم أند بلوز، كلاسيكية غربية، كردية، نيو وايف، سول، أرمنية، سامبا، بلقانية، بوسا نوفا) وإلى أعمال مؤلفين موسيقيين مختلفين– شارلي باركر، فريدريك شوبان، ثيلونيوس مونك، جيلبير بيكو، فولفغانغ موزارت، أنطونيو كارلوس جوبيم، جو سامبل، جواكين رودريغو (موسيقى لبيروت)– أو تآلفنا معها وجعلناها من حواضر البيت. وكلّما فكّرت أكثر ببانثيون زياد الرحباني الموسيقي الذي جمع كلّ تلك الأنماط والأسماء جنباً إلى جنب، في ما اعتبرناه لسنوات خبزنا الموسيقي اليومي، كلّما تبدّت لي فرادته وشجاعته، وديموقراطيته الموسيقية الراديكالية.
أكثر من شرق، أكثر من غرب
فنحن لم نكن قد خرجنا بعد من سطوة الغرب الثقافية، وترجمتها الموسيقية التي أعلت شأن الموسيقى الكلاسيكية الغربية، وأشكالها، فوق كلّ أنواع الموسيقى الأخرى. زمن اعتُبر فيه التأليف السيمفوني الكلاسيكي أعلى درجات التأليف، وما شابه ذلك من محاولات لاقتحام «العالمية»- الكنية الملّطفة لنيل الاعتراف الغربي- من باب الأشكال الكلاسيكية الغربية. فما فعله زياد الرحباني لم يكن موسوعياً وتعددياً فحسب. صحيح أنّ الرحباني وضع كل تلك الأسماء والأنماط المختلفة داخل مشروعه الموسيقي، وهذا إن دلّ على شيء، فعلى شهيّة الرحباني الموسيقية المفتوحة والخارجة عن الثنائيات المهيمنة: موسيقى عالمة/ موسيقى شعبية، حديثة/ تقليدية، عالمية/ محلية، غربية/ شرقية. لكنّ الرحباني شكّل أيضاً نموذجاً موسيقياً ديموقروطياً راديكالياً كسر من خلاله هرمية السلّم القيمي الذي يضع الموسيقى الغربية في أعلى مرتبة. كما فجّر ثنائية الشرق (التراث)/ الغرب (الحداثة) من خلال إبراز الكثرة المتميّزة داخل كلّ طرف من تلك الثنائية. فالشرق عنده ليس واحداً. هو لبناني، كردي، سوري، أرمني، مصري، بلقاني، تركي. شرق زياد الرحباني الموسيقي يتعدّى لبنانيته ومشرقيته وعربيته. بإمكاننا اعتبار إطاره الجامع عثمانياً. وشرق زياد الرحباني عثمانيُّ المدى هو خروج واضح عن المشروع الرحباني الموسيقي الذي سعى إلى بناء مشروع أغنية لبنانية بوجه هيمنة الأغنية المصرية الطربية كلاماً ولحناً. وعلى خلاف نقده الصاخب للبنان المتخيّل الذي شيّده أهله في أعمالهم المسرحية في الفاصل الزمني ما بين حربٍ أهليّة صغيرة (1958) وأخرى مهولة (1975-1990)، لم يعلن الرحباني لمَّ شمل موسيقى الجغرافية العثمانية في أعماله فعلَ خروج على موسيقى أهله، أو حتّى توسيعاً لتجربتهم. فموسيقاه بطبقاتها المتعددة هي بأحد جوانبها حوار داخلي بين كلّ تلك المكوّنات الشرقية، لا يمكن حصرها بثنائية الشرق والغرب.
أمّا في ما يخصّ الغرب، فالأمور أكثر تعقيداً، لا لأنّ الغرب الذي هو أوروبي، أميركي، ولاتيني في أعماله، ليس واحداً عنده أيضاً، بل لأن غربه لا يُختصَر بنتاج المركز الموسيقي. فأوردة زياد الرحباني الموسيقية تغذّت من هوامش الغرب الموسيقية، خاصّة من التراث الثقافي الناتج عن عوالم «الأطلسي الأسود»، بحسب تسمية بول غيلروي، (جاز، سول، سامبا، فانك، ريتم أند بلوز، بوسا نوفا). فعندما يُجلس زياد الرحباني شارلي باركر وثيلونيوس مونك وجو سامبل بكلّ تلقائية إلى جانب موزارت وشوبان- بعد إعادة توزيع أعمال لهما (تأليفها؟) بحبّ وحريّة غير مقيّدة بالمرجعية التي اكتسبتها الموسيقى الكلاسيكية الغربية كالشكل الأوّل والأسمى للموسيقى بعد غزو أوروبا للعالم في القرن التاسع عشر– يكون بمونتاجه للبرنامج الموسيقي هذا يزحزح الكثير من المسلّمات وسلالم القيمة الهرميّة من دون الاستعانة بأي شعارات إيديولوجية عن نزع المركزية الغربية.
موسيقى بلا قيد
وللدقّة، لم يكن زياد الرحباني كليّا خارج إشكالية السعي نحو «عالمية» ما. ففي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وصف مشروعه الموسيقي حينها (فيلم هدوء نسبي) بـ«محاولة موسيقى شرقية بلغة يفهمها العالم». وهي باختصار عزف موسيقى شرقية على آلات غير شرقية، كنقل الرحباني إيقاع الوحدة الكبيرة من الإيقاع إلى البيانو في بداية موسيقى هدوء نسبي، وكعزف تقاسيم وجمل موسيقية شرقية بحتة على نفس الآلة (التقسيم الشرقي الرهيب على البيانو في مطلع أغنية «شو هالإيّام») ولكن بتوزيعات هارمونيّة معقّدة لم يعهدها تراث الموسيقى المقامية.
وأظنّ أن تلك الصياغات بشأن إيصال موسيقانا إلى العالمية قد تكون جزءاً من حمولة الإرث الثقافي- السياسي للأخوين رحباني وعمّه إلياس، والتي لم يضعها الرحباني الابن تحت مبضع شكّه الحادّ، فتردّدت أصداؤها بعد عقد كامل من بدايات نقده لأيديولوجيتهم اللبنانية في برنامجه الإذاعي مع جان شمعون (بعدنا طيّبين… قول الله). فدرج زياد الرحباني على الفصل بين ما كتبه الرحابنة وما لحّنوه. والقسمة الضمنية هنا هي بين الانفصال الإيديولوجي عن مشروعهم الكتابي والبناء على مشروعهم الموسيقي. ولكنّ السياسة لا تكمن في مضمون الأغاني والمسرحيات وحسب، بل أيضا في شكل المشروع الموسيقي– في مبانيه، ومفرداته، وجمهوره المضمر وأهدافه (العالمية).
ولكنه، بالإضافة إلى السعي لإيصال موسيقانا الشرقية إلى العالم، عرّف زياد الرحباني موسيقاه حينها، بتعريف يبدو لي أكثر دقّة وأخفّ حمولة إيديولوجية من إشكالية الوصول للعالمية التي تخاطب دائماً جمهورهاً غربياً متخيّلاً يوضَع مكان الحكَم الذي يكرّس موسيقى ما على أنها جديرة بحمل قيمة العالمية، أو يحشرها، في حال رفضه لذلك، في زاوية تقاليد موسيقى العالم والآلات التراثية. وهذا التعريف هو ببساطة أنّها موسيقى لبنانية.
يخرج الرحباني هنا عن الاستعارات اللغوية– ترجمة موسيقانا إلى لغات ثانية توصلها إلى جمهور عالمي مع محافظتها على روحها الخاصّة– نحو تلك المطبخية. فيتحدّث عن تجاور سناك الهامبرغر ومحل الشاورما في نفس الشارع في بيروت ليدلّ على أن موسيقاه تشبه نمط الحياة هذا الذي يسمح، من خلال تجاور هذين المطبخين، بتخيّل طبق غير موجود لا بالشرق ولا بالغرب: «قرص هامبرغر طعمتو فلافل». وهذا القرص المهجّن والنابع من نمط الحياة اليومية اللبنانية يبدو لي أكثر صدقاً من إشكالية «العالمية» لأنه لا يضمر جمهوراً غربياً يريد إقناعه بقيمة موسيقانا، بل هو ببساطة تعبير موسيقي عن معاش يومي. قد يأخذ هذا التعبير شكل تعريب أغنية جو سامبل لتتحوّل إلى «روح خبّر»، فتصبح بدورها شيئاً موجوداً، لكن من دون أن تكون موجودة في أيّ من تراثي الشرق أو الغرب. وقد يأخذ أيضاً شكل «تغريب» إيقاع الوحدة الكبيرة من خلال نقله إلى البيانو في «هدوء نسبي» ليخلق شيئاً جديداً وأصيلاً في آن واحد، ولكن، من دون أن يكون له وجود في أحد التراثين. فنحن أمام موسيقى مكتومة القيد، موجودة فعلياً وأصيلة تعبيرياً، ولكنّها بلا أوراق رسمية تحدّد هويّتها، وبلا إسم يردّها إلى أهل ونسب واضحين.
اسم الحداثة الأصيلة المفقود
في ذلك تصدّى الرحباني للإشكاليتين الأكثر صعوبةً في تحديد معالم حداثة العالم الما بعد استعماري، وهما: كيف يمكننا تحديد ما هو جديد في عمل حديث يبدو وكأنه استعادة لأعمال سبقته ونسخة عنها؟ وما الاسم الذي باستطاعتنا إطلاقه على ما هو أصيل من دون أن يكون تراثياً أو أصلانياً؟ وما مساعي زياد الرحباني الكثيرة لتحديد تعريف معيّن لموسيقاه- موسيقى شرقية بلغة عالمية، هامبرغر طعمتو فلافل، جاز شرقي- سوى نتاج هاتين الإشكاليتين. فكيف نسمّي الجديد في الموسيقى التي قدمّها الرحباني، والتي تبدو للوهلة الأولى وكأنها مجردّ استعادة لنمط خُلق من قبل، ونسخة عن أصل ما، كالجاز وأغنية سول شادوز؟ وما الاسم الذي نطلقه على موسيقى تبدو دخيلة بحداثتها على الموسيقى الشرقية لكنّها تبقى أصيلة من دون أن تكون تراثية؟ انتقد الرحباني لاحقاً إسم «الجاز الشرقي» الذي أطلقه في منتصف الثمانينيات، لعدم قدرته على الإحاطة بجوانب مختلفة من موسيقاه. كما تذمّر من تحويل عبارة «الجاز الشرقي» إلى شيء أشبه بختم يلاحق أعمالاً مختلفة له، بغضّ النظر عن شكلها، وإلى تهمة جاهزة لنزع الشرعية الموسيقية عن الأعمال التي لحّنها لفيروز وأعاد توزيعها للرحابنة في تحفته «إلى عاصي». فكلّ تلك الكثرة والغزارة في المصادر التي خلقت شيئاً جديداً، حديثاً وأصيلاً في آن واحد، يصعب حشرها في الاسم المركّب– الجاز الشرقي– الذي يستعيد ثنائية الغرب والشرق بدمجهما سوّية.
أمّا الاخوين رحباني، فاستطاعا الهروب النسبي من إشكالية الاسم المفقود للحداثة الأصيلة لظرفهم التاريخي الذي ربط مشروعهم الموسيقي الحديث بالقومية اللبنانية أيديولوجياً. أمّا فنيّاً، فركّزوا على وضع صوت فيروز في الصدارة وإبقاء الموسيقى وتوزيعاتها في الخلفية في زمن كانت تقنيات التسجيل فيه أكثر بدائية، على خلاف تجارب زياد الرحباني التي أفردت مساحة واسعة للموسيقى «الصامتة» وتعاملت مع الصوت البشري في أحيان كثيرة كآلة واحدة ضمن مجموعة آلات موسيقية أخرى (يلا كشّوا برّا، يا ليلي ليلي ليلي، ضيعانو، من كل بدّ...). وكان زياد الرحباني قد أشار في عدّة محطّات إلى تجاربهم الموسيقية الطليعية غير المعروفة، والتي بقيت في الخلفية، كوضعهم بنية هارمونية للحن أغنية مبنية على مقام السيكاه الشرقي جدّاً (مروج السندس).
Da Capo
في منتصف حفل موسيقيّ في صيدا (27 تشرين الأول 2018)، ضمن سنوات العروض الموسيقية الأخيرة التي لفّ فيها الرحباني وفرقته على مناطق لبنانية كثيرة، والتي تبدو اليوم بعد رحيله، بمثابة الطواف الوداعي الأخير للرحباني قبل الدخول في صمته الأخير، اعتذر المؤلف من جمهوره، فقال بدنا نستأذنكم نسمّعكم قطعة موسيقية، انشالله ما نطوّل عليكم… في مجال؟ قطعة مش لإلي هيّ، بس بتصوّر بتظبط كتير مع البرنامج. وكانت القطعة التي سبقت القطعة الموسيقية أغنية فيروز «حبيّتك تنسيت النوم» التي لحنّها زياد الرحباني بنفس شرقي فلموني (وهبة). عزف الرحباني على البيانو، مع مرافقة بسيطة للفرقة، بأسلوبه المتأخرّ، ذلك الذي أصبح مع العمر أكثر تأمّلاً وأكثر تناثراً وأكثر قدرة على إيصال جرعات عاطفية كثيفة بنوطات قليلة. وقد يكون أكثر الأمثلة وضوحاً عن أسلوبه المتأخر على البيانو هذا، عزفه المنفرد للحن أغنية الكورس «عالبال يا ليل الحبايب والرضا» من مسرحية دواليب الهوا للأخوين الرحباني، في حفل تكريمي لهما.
بعد الانتهاء من عزف القطعة الموسيقية في صيدا، خرج الممثل طارق تميم من وراء الكواليس لأداء اسكتش فاصل. لكنّه خرج مدهوشاً، أكثر منه ممثلّاً.
فتح يديه، بحركة مفادها «كتير هلقد»، نظر إلى الرحباني مباشرة وقال له:
كيف بدّك ياني إقرا هلأ...
ردّ الأخير: جرّب.
عاد تميم ونظر إلى المؤلف وعازف البيانو وقال له: انت متصرّف فيه هيدا.
زياد رحباني: صحيح.
عرفتُ بعد حين أنّ هذه القطعة الموسيقية التي عزفها الرحباني وجعل منها ذهباً موسيقياً خالصاً غير موجود لا في الشرق ولا في الغرب، كانت هي أيضاً عملاً مستوحى من عمل آخر للمؤلف الأميركي جو سامبل عنوانه: The Song Lives On.