خلص خلصوا

كلّ شيء ينتهي في هذه الحياة، حتى الأشياء التي لا نتوقّعها أن تنتهي، الجميلة منها والبشعة.
وما مِن مشهد أبشع من السياسيّين اللبنانيّين «المنتصرين» بعد حرب 17 سنة، انتهت بلا غالب ولا مغلوب، وانتهينا نحن شعباً لا غاضب بل مغضوب على أمره.

البارحة كان أوّل نهار أشعر به ببعضٍ من ذاتي. منذ «الزربة» في البيت وانتشار الكورونا عالميّاً، وفي بيروت تحديداً، شعرتُ كما لو أنّني خسرتُ نفسي. نسيتُ أو تناسيتُ مَن كنتُ قبل «الزربة» وكأنّ الذكرى كانت موجعة كذكرى يوم بصحبة حبيب قديم. فضّلتُ أن أنسى الحياة قبل زربة الكورونا لأنّ الذكريات الجميلة صارت موجعة، بعيدة المنال، وعلى رأسها ذكريات الثورة مع الأحبّة الغرباء الذين صاروا من «عظام الرقبة». لا ذكريات لي أسعد من أيام الثورة، ولا حتى تلك الذكريات مع الحبيب.

حين بدأت الزربة، لم أعد أحتمل التفكير بأي موضوع سوى القلق الحالي السخيف: شو باكل اليوم؟ شو بحضر الليلة؟ كيف بخفّف شرب هيدا الاسبوع؟… وكأنّني أصبحت أهمّ كائن في الدنيا، كلّ ما أفكّر به هو صحّتي الجسدية والنفسية، وكلّ ما هو مهمّ موجود في متناول اليد داخل البيت لأنّ التفكير والتذكير بأيّ شيء في الخارج يقهرني.


البارحة، كان اليوم الأوّل الذي سمحت فيه لنفسي أن أتذكّر، وتذكّرتُ مَن يحكمنا في هذا البلد الغاضب، وقرّرت أنّهم خلص خلصوا. وخلصوا مادياً بقدر ما خلصوا سياسياً ومعنوياً. هم تفتّتوا وتفتّتت أجسادهم لأسباب لا دخل لها بالوباء، بل بالثورة القائمة داخل بيوتنا وفي متناول يدنا.

هنّي خلصوا بسبب بشاعتهم.

كيف يستطيع أحدٌ أن يحكم وهو في هذه البشاعة؟ هل يستطيع أحدٌ أن يستمع إلى رجال بهذه البشاعة، كأنّهم يحملون سنوات الحرب والنهب على وجوههم؟

كيف نتحمّل بعد الآن

أن نسمع ميشال عون يتكلّم؟ كلّ مرّة أسمعه، تطنّ بأذنيّ صرخات عائلات شباب الجيش وهم يتخبّطون في قبورهم وهو يحيّي النظام السوري الذي يقصف شعبه بالكيماوي؟

أن نرى سمير جعجع وقد اسودّ وجهه، وتبدو عيناه كأنّهما قاحلتان منقورتان بالدم الذي على يديه، وما زال بعد كلّ هذا العمر صاحب صفقات ومصالحات وهاوي التناحر مع العونيّين.

أن نسمع نبيه برّي، القائد الأزلي، الحامي والقاهر بشبابٍ بلطجيّة يحاربون ويقاتلون من أجل أن يطعمهم ويؤمّن لهم مسكناً ومأوى لأهلهم. هل من أحد قادر بعد الآن أن يتحمّل وجوده، وهو الذي جعل البرلمان مهزلة.

أن نتابع خطابات حسن نصر الله، فيما دويّ الحرب النائمة عندنا والمُلَعْلِعة في سوريا قد جعل حياتنا كابوساً لا نرى نهايةً له.

أن نضحك لوليد جنبلاط الذي لم يعُد مسلّياً حتى. بعد استشهاد علاء أبو فخر، عاد «البيك» ليغطّي على القتلة والمجرمين، ليعود ويعمل صلحة ومصالحة ومصارحة وصرماية.

أن ننظر إلى سعد الحريري الذي يكاد يكون السياسيّ الأبشع والأسخف في العالم، وهو الذي أخفق سياسياً ومالياً وصار مكروهاً من قبل السعودية وإيران وبيروت وطرابلس مرّةً واحدة؟ يا لطيف ما أبشعه وهو يعِد الناس بـ900,000 وظيفة وما بيعرف أصلاً شو سعر ربطة الخبز.


شو بشعين كلّن يعني كلّن، هنّي والإعلام السافل.
قرّرتُ أمس أنّهم خلصوا، وتحمّست كثيراً عندما استوعبت ما الذي يعنيه ذلك.

حين ننظر الآن إلى مكاسب الثورة حتى الآن، لا نتطرّق إليهم. لم يعد الهدف إسقاطهم ولا محاسبتهم ولا التكلّم معهم أو عنهم حتّى. شعرت بسعادة وحماسة كشعور التخلّص من علاقة مسيئة أو فرض واجبٍ مُتعب.

فكرة أنّهم خلص خلصوا تعني أنّ ثورتنا أصبحت مندفعة نحو المأسَسة والحفاظ علينا نحن وعلى مستقبلنا. لن أدخل في تعداد المكتسبات، لكنّ أهمّها يبقى التكافل الاجتماعي كأساس بنيويّ لسياسة واقتصاد جديدَيْن.

لم نقرّر أن نعمل «سياسة» سوا، بل قرّرنا التضامن لقتل الوحش. وبينما كنّا نقاتله، وقعت الدنيا على رأسنا وأجبرتنا أن نتسيّس ونسيّس المرحلة القادمة.

وعلى قدر بشاعتهم، وكِبْر البحر ووِسْع السماء، نحن جميلون وجميلات. هم ترتبط وجوههم بالموت والفساد، ونحن ترتبط وجوهنا بالعدالة والمساواة والاحترام والمشاركة والنسويّة والحرية. جمالنا أساس نجاتنا خلال هذه «الزربة»، وعنوان السياسة بعد الخروج من «الزربة».

المشروع طويل والمسار صعب، بس حدا قادر بعد يتخيّل لبنان غير هيك؟

الكتابة على خطّ النار

الدفاع عن النفس الكمين المدبّر المؤامرة الخارجية الإشكال الفردي 7 أيار القمصان السود ميليشيات حزب الله وحركة أمل باليوم المجيد النقاش بحلقة مفرغة «التنميط»، إن لم يكن «العنصرية» «مشكلة حزب الله» «إصلاح الحزب من خلال تطمينه» أو «تجاهل الحزب من أجل إصلاح البلاد» أو «فهم الحزب بسياقه» دفاع عن المصارف أو هجوم على التحقيق أو حماية للنظام كركيزة من ركائز المقاومة «محاربة الطائفية» و«بناء الدولة» سحب السلاح

شو كنت عملت بالـ1975؟

جولات القتال في الطيّونةعوامل الدم والخوف والخطر الداهمالحركة الاعتراضيّة منذ الـ2011كنظام ابتزاز دائمالكوريدور أو الملجأ أو المنفىمراقبين خارجين عن مجتمعنا أو مهلّلين للقتل الدائمرعب تلامذة المدارس المحاصرينكوننا لسنا بالـ 1975