تلعثُمٌ أكاديميّ أمام السلطة

قبل أشهر من انفجار الأزمة المالية، تمكّنت مجموعة بحثية في لبنان من التوصّل إلى وجود أزمة خطيرة في القطاع المصرفي، وذلك من خلال العمل على تطوير مؤشّر مالي. كما تنبّأوا باحتمال الإفلاس المصرفي (لا أقلّ من ذلك) قبل أشهر من شيوع أخبارٍ عن بدء عمليات التهريب الكثيف لأموال زعماء وكبار مودعين نافذين إلى خارج البلد.
غير أنّ هذه المجموعة الأكاديمية لم تعلن حينها عن اكتشافها!
توضح ذلك إحدى المشاركات في وضع المؤشّر المالي في مقابلة لها:
توصّلنا الى أنّ خطورة الوضع قد يصل الى الإفلاس المصرفي، حينها تمّ تحذيرنا من الحديث بالإعلام بهذا المؤشّر وكشف نتائجه، وهو ما حصل بالفعل ولم يجرؤ أحد على التحدث بالنتائج الكارثية، فاتجهنا الى عرض الدراسة من خلال أكثر من منصة دولية كالبنك الدولي والإسكوا وغيرها.

وتُذكِّر الباحثة بتصريحات رئيس الجمهورية ميشال عون ما بين آب وأيلول حين تحدّث عن تعرّض كلّ من «يشوّه» صورة الليرة والقطاع المصرفي والأمن المالي للملاحقة القانونية والسجن من 6 أشهر إلى 3 سنوات.

وتضيف في مكان آخر إنّ السلطة السياسية والمالية منعوا الاقتصاديين والخبراء من مصارحة الناس.

يُظهر ذلك، بحسب الباحثة الاقتصادية، أنّ السلطة السياسية والمصرفية كانت أوّلاً على علم مسبق بالوضع المالي الكارثي، وأنّها ثانياً لم تصارح الناس بذلك، بل «حذّرت» المجموعةَ الاقتصادية المذكورة من مصارحة الناس. كما سمحت ثالثاً لكبار المودعين– بمن فيهم السياسيّون- بتهريب أموالهم إلى خارج لبنان خصوصاً منذ شهر أيلول (بحسب قوائم متداولة لا يمكن الجزم بمدى دقّتها).

لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا خافت هذه المجموعة الاقتصادية من الإعلان عن أزمة مقبلة للقطاع المصرفي؟

ليس المقصود التقليل من شأن «التحذير» الذي مارسته السلطة التي تتحمّل المسؤولية الأولى بالطبع، لكنّ ذلك لا يُلغي النقاش حول مسؤولية الوسط الأكاديمي الذي يلعب دورًا متزايدًا في الحياة السياسية في لبنان والمنطقة العربية عمومًا، وهو يبحث عن تعبير سياسي خاص به.

كان يمكن مقايضة السلطة، بأقلّ تقدير، بمباشرة إجراءاتٍ تمنع تهريب أموال السياسيين وكبار المودعين إلى الخارج مقابل صمت المجموعة الأكاديمية كي لا يُمسّ بسمعة القطاع المصرفي ابن الأكابر. وبكل الأحوال، ليس من السهل على السلطة السياسية سجن أساتذة اقتصاد في الجامعة الأميركية بسبب حديثهم بشكل بحثي عن أزمة مالية وشيكة.

يذكِّر ذلك بما حدث في العام 2007 من قبل باحثين وباحثات أوروبيين لم يتحسّسوا أو يعلنوا مسبقاً عن الأزمة المالية والاقتصادية التي أصابت الاتحاد الأوروبي وامتدت حتى 2012، وإن كانت أسباب أولئك الباحثين مختلفة عن السياق اللبناني، وتتعلّق باعتماد بحثهم أساسًا على تمويل الاتحاد الأوروبي نفسه.

كما تشير هذه الحادثة إلى عولمة متزايدة للعمل البحثيّ، فتحدث تلك «المصارحات البحثية» باللغة الإنكليزية أساسًا أو داخل أروقة منظمات دولية مثل البنك الدولي.

وهي حادثة تذكّر أيضًا بعدم لعب مثقفين وأكاديميين وأكاديميات عرب دورهم في تحدّي السلطات السياسية والدينية والاجتماعية في مفاصل أساسية، على مدى عقود، رغم الجانب الاعتراضي الذي يحملونه في الوقت نفسه.


يشهد لبنان والمنطقة العربية أخيراً صعود طبقة وسطى من شرائح تملك رساميل ثقافية عالية (مثل التعليم واللغات)، وتملك علاقات معولمة، وهي ميّالة إلى التغيير عمومًا، لكن ثمّة إشكاليات متعدّدة في سعيها للتغيير.

فرغم وجود استثناءات مهمّة وثوريّة، فإنّ ما نشهده أخيراً من صعودٍ للبُعد الاحتجاجي داخل بعض الأوساط الأكاديمية والذي يسائل السلطات أو حتى يدعو للثورة عليها، غالباً ما يترافق مع عدم تحدّي عمق تلك السلطات نفسها أو حتّى ملاطفتها في محطات أساسية، فيحاول هؤلاء أن يكسبوا بذلك السلطة والثورة معًا.